|
المرجعية عطاء مستمر
بقلم الشيخ عادل أبي خمسين
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأفضل الصلاة وأزكى التسليم على محمد وآله الطيبين الطاهرين . قال الله تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) .
العظماء يمجدهم الناس ، لما تركوا من ذكرٍ حسنٍ وأثرٍ طيبٍ ، ويختلفون عن غيرهم في هذا الجانب ، فنقول : ترك هذا العظيم ذكراً حسناً وأثراُ طيباً ، وذاك مضى ولم يترك شيئاً إلى الناس ، والعظماء يتفاوتون فيما يتركون ، فمنهم من يترك حسباً ، ومنهم من يترك ثروة ، ومنهم من يترك إختراعاً أو إكتشافاً يفيد به الإنسانية ، ومنهم من يترك نصراً أو فتحاً يفتخر به محبيه . هذه الآثار جميعاً ذات دلالات جميلة وجيدة ، ولكن هناك من العظماء من يتميز في ذكراه وينفرد في آثاره ، وهم العلماء لأن ما يتركه العلماء لاينحصر في زمن معين ولا يقتصر على أمور مادية ، بل آثارهم تتخطى الحدود الزمنية وتصبح جزء من التاريخ الممتد على مر العصور إلى يوم القيامة ، فنحن إلى هذا اليوم نشيد بما تركه العلماء من صاحبة رسول الله صلى الله عليه وآله كأبي ذر وسلمان وعمار وغيرهم ، ونشيد بما تركه علماء أهل البيت عليهم السلام على مر العصور كالشيخ المفيد والطوسي والشيخ الأوحد وغيرهم ، فهؤلاء لا يمكن أن يقف ذكرهم على حقبة زمنية واحدة ، بل يمتد في كل الأزمان . وأثرهم لا يقتصر على الأمور المادية التي تنعدم وتتلاشى كأي شيء من الأمور المادية ، بل تمس جوهر الحياة بل هي الحياة التي يعيشها الإنسان كما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وآله . ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) . فالعلماء يتميز ذكرهم وعطاءهم أنه حياة للبشرية ، فعطاءهم هو الماء الذي يحيي القلوب الميتة وهو المزن التي تبل صدأ القلوب ، ويوقض النفوس ، وينبه العقول ، والمراجع هم مثال هذا الذكر وهذا العطاء. وإذا كان العلماء الفضلاء يذهبون بأشخاصهم من هذه الحياة فإن ذكراهم ومعالمهم تبقى منهجا للسائرين من خلفه .
وحينما نتكلم عن المرجع الديني الراحل آية الله العظمى ميرزا حسن الاحقاقي ، فإننا نتكلم عن عالم أحيا القلوب وأثار العقول ، عن مرجع تميز في حياته بميزات عديدة وصفات جليلة ، هي أسوة يتأسى بها عموم الناس . والاستفادة من آثار العالم وذكراه الحسن لاتقتصر على مقلديه فقط ، بل جميع الناس ، فإننا نأخذ من آثار العلماء الأقدمين ، ونحن لم نقلدهم مرجعياً في يوم من الأيام ، ولكننا ندين لهم بكل علم أوصلوه لنا ، وبكل فضيلة نبهوا إليها وجسدوها في حياتهم ، وكيف لا نأخذ منهم وجميعهم يستقون من معين واحد ، ومن نبع واحد وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار . هؤلاء المراجع الذين كان لهم الفضل والدور الكبير في خدمة هذه الأمة ، وبالخصوص مدرسة أهل البيت . والأحساء تفتخر أنها كانت دائماً داعمة لعموم المرجعيات وعلى مر التاريخ الشيعي سواءً من الناحية المعنوية ، وذلك عبر جماهيرها المؤمنة وولاءها الصادق أو من الناحية المادية وذلك عبر الحقوق الشرعية من أخماس ودعم للمشاريع الإسلامية في كل أنحاء العالم ، ونحتاج اليوم أن يكون للأحساء حظاً في توجيه هذه المشاريع وحضوراً ومشاركة في إدارة هذا الدعم المادي ، فهي تمتلك من العلماء الفضلاء ومن المثقفين أصحاب المواهب والكفاءات ما يؤهلها اليوم للقيام بهذا الدور في خدمة المرجعيات التي يتمثل عطاءهم جميعاً ، ويتجلى دورهم فـي الأمور التالية :-
أولاً : حماية الدين من الضياع :
عقيدة وفكراً ومنهجاً . ( إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء ). الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وجاهد من أجل إعلاءه ونشره على الأرض ، هذا الدين الذي أكمل تبليغه النبي صلى الله عليه وآله عبر سنوات من الجهاد والعناء ، حيث يقول تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) . هذا الدين يحتاج إلى حماية من النسيان ، بتشبعه في النفوس والعقول ، وحماية من الضياع بتدوينه وشرحه وتوضيحه ، وحمايته أمام المشككين ، وهذا الدور قام به أئمة أهل البيت عليهم السلام ليرسموا لنا منهجاً نسير على خطاه ، ومدرسة نتتلمذ على مناهجها ، وليكون المراجع الأجلاء والعلماء الفضلاء حماة لهذه المدرسة ، لتكون رايتها تعلو رايات المدارس الأخرى ، وحجتها تدحض حجج الآخرين ، ودليلها يخرس ألسنة المشككين ، وليكون هؤلاء المراجع ، ومنذ غياب صاحب الأمر والزمان في أواخر القرن الثالث الهجري ، يكون لهم الدور الكبير في حماية الدين وذلك عبر عطاءهم وعبر الحوزات العلمية التي أسسوها وأنشئوها ، ابتداءً من الشيخ المفيد إلى الشيخ الطوسي ، الذي أسس الحوزة في النجف الأشرف ، ومن ثم أنتقلت وتوسعت عبر الزمن إلى الحلة وإلى المدينة المنورة وإلى الأحساء أيضاً ، وذلك عبر سلسلة من العلماء ، ليكون الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي أحد هذه الحلقات الذهبية في التاريخ الشيعي ، فيربط الناس بدينهم ، ويربطهم بأهل البيت عليهم السلام ، بعيداً عن كل النظريات الفلسفية ، ليقوم بترسيخ المفاهيم الدينية والعبادات ، الواجب منها والمستحب في حياة الناس . وتستمر هذه المسيرة في العطاء وحماية الدين عبر أعداد من المراجع في كل مكان ، لــيكون الشيخ محمد بوخمسين من روادها ، ويكون المرجع الديني الجلـيل آيـة الله الميرزا حسن الاحقاقي حلقة من حلقات هذه السلسلة الذهبية ، فيقوم بدوره الجليل في حماية هذا الدين ، وذلك عبر شرح معالمه وتوضيح مكنوناته .
ثانياً : إثراء الفقه الإسلامي :
( إذا أراد الله بعبدً خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده ) .
وذلك بالاجتهاد الفقهي وهذا ما ميز الفقه الشيعي عن غيره ، أنه متجدد العطاء ، مواكب لحاجات العصر ومتطلباته ، ولكن الناس أحياناً يكونوا على نوعين :
- نوع جامد أمام النصوص الشرعية ليحول الدين إلى دين متخلف قديم .
- نوع مستهتر بأمور الدين ، لا ينتظر رأياً دينياً أو حكماً شرعياً من مرجعه .
لذا حاول مراجعنا أن يلبوا حاجات الناس ، وذلك باجتهادهم ومؤلفاتهم . ولو نظرنا اليوم للمئات بل الآلاف من كتب الفقه والأصول واللغة والتفسير والميادين الأخرى ، لكان الفضل لكل هذه المؤلفات يرجع لعلمائنا الفضلاء، سواء المتأخرين أو المتقدمين ، من أمثال : جواهر الكلام والعروة الوثقى والوسائل والمكاسب ، وغيره من المؤلفات . ولآية الله الميرزا حسن الاحقاقي عدد من المؤلفات وهي :
- الرسالة العملية ومناسك الحج.
- الدين بين السائل والمجيب .
- رسالة الأيمان.
- الرسالة الإنسانية وغيرها من المؤلفات .
ونحن اليوم نحتاج إلى تفعيل الحوزة العلمية داخل الأحساء ، وفي الهفوف ، لتستمر مسيرة العطاء الفكري ، ويعود مجد هذه المدرسة ، ومجد المكان الذي انطلقت منه .
ثالثاً : المحافظة على الالتزام الديني لدى الناس :
وذلك عبر ارتباط الناس بمراجعهم . إن ارتباط الإنسان بمرجع يأخذ منه أحكامه الشرعية ، عامل مهم في المحافظة على دين الإنسان ، وعدم تجاوز الحرام فالمرجع يبين الحلال من الحرام عبر الأحكام التي يظهرها في رسائله العملية ، سواء في العبادات أو المعاملات . والناس المؤمنون هم الذين يحرصون على معرفة رأي مرجعهم في كل مسألة من مسائل الحياة . وكلما كان ارتباط الناس بمراجعهم أقوى ، كان التزامهم بأحكام دينهم أكثر قوة ، لأنهم يكونوا حينها أكثر معرفة بالأحكام الشرعية ، ومن عرف الحلال والحرام تجنب السقوط في المهالك . وأيضاً ارتباط الناس بمرجعهم يجعلهم أكثر قرباً من الصورة الحقيقية للإيمان ، لأن المرجع يجسد من خلال شخصيته وسلوكياته تعاليم الدين واضحة جلية ، مطبقاً في حياته وفي معاملاته مع الآخرين التعاليم التي بينها النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ، والاقتداء بالمراجع وبالعلماء الفضلاء لا يقتصر على مقلد دون آخر ، فالعلماء هم لجميع الناس ، وعطاءهم لكل البشرية ، لأنهم يمثلون السمو الإنساني ، ويسعون إلى الكمال ، مهتدين بنور محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: (الدين المعاملة) . والأخلاق هي محور الإنسان ، بها يسمو ويعلو ولا خير في علم ليس معه خلق ، لذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصف علماء أمته وأخلاقهم : ( حلماء علماء كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء ) . وقال صلى الله عليه وآله : ( أقربكم مني منزلاً يوم القيامة أحسنكم خلقاً ) .
وأريد أن أبين في هذه الليلة وفي هذه المناسبة عدد من الصفات الأخلاقية في شخصية آية الله العظمى الميرزا حسن الاحقاقي ـ قدس سره ـ علنا نستفيد من هذه المثل .
1- التواضع :
حينما يتواضع الناس مع بعضهم البعض فهذه صورة مألوفة طبيعة ، فكل منهم محتاج إلى الآخر ، لكن أن نجد من هو في مقام رفيع يتواضع لمن هو أقل منه شأناً ، هنا تتجلى صورة التواضع ، أن تجد مرجعاً دينياً ، مع كثرة انشغالاته وازدحام أعماله ، يستقبل الناس ويلبي حاجاتهم ، حتى البسيطة منها ، بنفسه ، وكان بإمكانه أن يوكلها إلى غيره من تلامذته ، ولكنه احتراماً للآخرين وتقديراً لهم ، يتجشم العناء على كبر سنه ، ليقوم بخدمتهم ، نجده مشرقاً بأبتسامته دائماً ، مقبلاً بكله إلى من يحادثه ، حتى لو كان صغيراً ، محترماً الطرف الآخر ،حتى لو كان بعيداً ، وهذه صفات الأنبياء ، وصفات أهل البيت عليهم السلام . يقول ضرار وهو يصف علياً أمير المؤمنين عليه السلام : ( كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ،ويلبي إذا دعوناه ، وكان مع شدة قربه منا لا نزداد منه إلا هيبة ) .
وأروي واقعة حدثت معي : ذات يوم كنت في زيارة له ، وكان يتحدث حول طلبات الناس وحاجاتهم إليه ، فكان يقول : الناس يقبلون بحوائجهم إليّ ،وأنا أفرغ نفسي لهم ، حتى رسائلهم لا أدع أحد يقرؤها غيري . فقلت له : مولاي ، أنت مشغول ، ألا تدع أحداً يقرؤها ، ثم يطلعك على المهم منها. قال : بني هذه أسرار الناس ، حتى لو أخذت مني وقتاً ، لا أدع أحداً يطلع عليها . في الحقيقة كان مثالاً للتواضع ، ويكشف بتواضعه أولئك الذين يتعالون على الناس ، مستغلين حاجة الناس إليهم ، يريدون أن يتميزوا بعلمهم على عموم الناس ، والإنسان بخلقه يتميز قبل علمه ، ويرفع بتواضعه لا بكبره ( من تواضع لله رفعه ) ، وكان يصل بتواضعه الكثير من الناس ، حتى البعيدين عنه ، والذين لا يقلدونه ولا يرجعون إليه، فيكسبهم بهذا الجميل ، مطبقاً مقالة رسول الله صلى الله عليه وآله : ( يا آل أبي طالب إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ) .
2- العطاء :
ما يميز عطاء آية الله الميرزا حسن الاحقاقي ، أن عطاءه لم يكن معنوناً بعنوان ، أو جماعة دون جماعة ، أو إلى مقلديه دون غيرهم ، بل كان عطاءه يشمل الجميع ، فكثير من المشاريع الإسلامية كان يدعمها مالياً وهي لاتتبع إليه ، كبناء مساجد وحسينيات ومراكز دينية ، وهي غير تابعة له ، وهو يعلم بهذا الأمر ، ولكنه حينما يرى أهمية المشروع في خدمة الإسلام ، يكون معطاءً وداعماً له . وهذا الأمر يبين لنا نفسية المرجع الديني آية الله الديني الميرزا حسن الاحقاقي ، فنفسيته منفتحة على الجميع وأفقه واسع ، فهو يتجاوز الخطوط الشكلية ، ويتجاوز الحواجز النفسية والنظرة الفئوية ، أو حتى المرجعية الضيقة ، يتجاوزها ليضرب لنا مثلاً حياً لذلك .
3- الإصلاح :
الإصلاح رسالة الأنبياء ( إن أريد إلا الإصلاح ما أستطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ) . والإصلاح إما أن يكون داخلياً في إطار مجتمع معين ، وإما أن يكون خارجياً ، متجاوزاً الأطر الاجتماعية ، أو العناوين الفئوية . والإصلاح إما أن يكون إصلاح للفكر والمعتقد ، وإما أن يكون إصلاح للإنسان كفرد ، سلوكياً وأخلاقياً وما إلى ذلك ، أو اجتماعياً كإصلاح مجتمع أو أمة من الأمم . وما كان يميز آية الله ميرزا حسن الاحقاقي أنه كان يحمل هم الإصلاح بكل هذه الأنواع والمسميات ، ولا غرابة في تسميته بالعبد المصلح ، فقد كان مصداقاً لهذا اللقب ، وبدأ بالإصلاح الداخلي في إطار جماعته ومحبيه ، حريصاً أن لايكون بينهم خلاف وفرقة ، فيضيق أمرهم ، ويذهب ريحهم ، وقد استطاع أن يوجد هذه الحالة من الوئام الداخلي طوال حياته المديدة ، وكان يتعامل مع الجميع كأبناء له ، لايفرق بين أحد دون الآخر إلا بعطاءه وخدمته للمجتمع . عارفاً أن هذا العمل هو خير الأعمال ، فالحديث يقول عن النبي صلى الله عليه وآله : (إصلاح ذات البين خيرٌ من عامة الصلاة والصيام ). ولم يقتصر سعيه للإصلاح على الجانب الداخلي ، فهو يهتم بأمور المسلمين عموماً ، فسعى إلى تذويب تلك العقبات التي كانت تحول بينه وبين الآخرين ، وكان مبادراً لهذه الأمور ، وقد نجح في إزالة الكثير من الحواجز بينه وبين الآخرين ، محترماً الطرف الأخر ، مقدراً مكانته ، وهذا أمر مهم لكل من يريد الإصلاح ، أن يحترم جميع الأطراف ، وأن لا يصادر خصوصياتهم ، من توجهات فكرية أو مرجعية ، وما إلى ذلك . وليكون الإصلاح ذا مصداقية ، يجب أن يكون المصلح ذا أريحيه مع الجميع ، فليس في قلبه شحناء ولا بغضاء ، بل يطلب الخير للجميع .
وهذا ما تميز به المرجع الديني العبد المصلح آية الله الميرزا حسن الاحقاقي طيب الله ثراه وأسكنه فسيح جناته مع رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
|