|
خاض الشيعة الأدب، فَنَظَموا في جميع فنونه؛
من مديح ورثاء، وفخرٍ وحماسةٍ، وهجاءٍ ونقائض، وغزلٍ ووصف ...
وغيرها.
ولكن النـَّزعة الجامحة إلى المدح والرِّثاء
في أئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ كانت واضحة وغالبة على جميع
الفنون التي نظموا فيها، »وكأنَّ الشيعة لم يتَّخذوا الشعر إلّا
أداة سياسية وآلة حرب، تُعِينهم استعمالها على الدخول في المعركة
لإحراز النصر، من غير أن يستعملوه للأدب والعاطفة[1].
ولعلَّ الزخم الهائل من الموروث الأدبي الذي
أنجبته الثورة الحسينية؛ كان له الحظ الأوفى مما كتبه أدباء
الشيعة منذ بداية العقد السادس الهجري –حيث ولدت الثَّورة واشتدَّ
عودها بمقتل سيِّد شباب أهل الجنَّة وأهل بيته (عليه وعليهم
السَّلام)- وحتَّى عصرنا الحاضر، حيث تطوَّرت الأساليب الأدبية
وتنوَّعت، وتعدَّدت أشكالها.
ألهبت مصيبة أبي عبد الله (عليه السلام) قريحة
الأدباء وخاصةً الشعراء منهم، وكانت الشرارة الملتهبة الأولى
في رثائه؛ هي أبيات عبد الله بن الحر الجعفي – أوَّل زائرٍ لقبره
عليه السلام - فكان مما قاله حينما وقف على الأجداث:
| يَقُــوْلُ أَمِيــْرٌ غــَادِرٌ وَابْنُ غَـــادِرِ |
|
أَلا كـُنـْتَ قَاتَلْتَ الشَّهِيـْدَ ابـْنَ
فَاطِمَة |
| فـَوَا نـَدَمـِي أَلَّا أَكـــُوْن نَصـَرْتـــُه |
|
أَلا كُــلُّ نَفــــْسٍ لا تُســَدَّدُ نـــَادِمَــة |
| أَهُمُّ مـــِرَاراً أَنْ أَسِيـْرَ بِجـَحـْفَلٍ |
|
إِلَى فِئـَةٍ زَاغَت عَنْ الحـَقِّ ظـَالِمَة[2] |
وذكر العلامة المجلسي؛ أنَّ أوَّل من قرأ الشعر على مصيبة سيِّد الشُّهداء - عليه السلام - غير الجعفي؛ هو الشَّاعر عقبة بن عمرو السهلي من قبيلة بني سهل؛ ذكر فيه:
|
إِذَا العَيــْنُ
قــَرَّتْ فِي الجِنَان وَأَنْتُمُ
|
|
تَخَافـُوْنَ
فِي الدُّنـْيــَا فـَأَظْلَمَ نُوْرُهَا |
| مَرَرْتُ عَلَى
قَبْرِ الحُسَيــْنِ بِكـَرْبَلاء |
|
فَفــَـاضَ
عَلَيـْـهِ مِنْ دُمُـوْعٍ غـَزِيْرُهَا |
| فَمَــا زِلـْتُ
أَرْثِيـْهِ وَأَبْكِـي لِشَجْــوِهٍِ |
|
وَيُسْعـِدُ
عَيْنِي دَمـْعُهـُا وَزَفِيْرُهَا[3] |
| |
|
|
| |
|
|
لم تمرّ هذه الأبيات وتلك الوقائع على محبي
آل البيت مروراً عابراً بل تفاعلوا معها، وعاشوا واقعة الطَّف
من خلالها، وصارت أذكارَ مجالسهم، وما يتنادمون به في خلواتهم،
وتخصَّص الكثير من الأدباء في رثاء هذا الإمام المظلوم، فعُرِفوا
بالشعراء الحسينين نسبةً إليه.
ليست العاطفة والفاجعة المؤلمة والتعامل الوحشي مع آل بيت الحسين (عليه السلام) هي الدوافع الوحيدة التي حثَّت الشعراء على نظم المراثي التي تحكي الواقع المرير، بل كان لحثِّ الأئمة وتشجيعهم وتفاعلهم؛ دوره البارز، وتأثيره الكبير على شعراء أهل البيت (عليهم السلام)، فها هو الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: » مَنْ قَالَ فِينَا بَيْتَ شِعْرٍ بَنَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ«[4]، وعنه أيضاً: »مَا قَالَ فِينَا قَائِلٌ بَيْتَ شِعْرٍ حَتَّى يُؤَيَّدَ بِرُوحِ الْقُدُس [5]، ولكي يؤكد خصوصية الشعر الحسيني -والشَّجي منه بالذات- يقول: »من أنشد في الحسين بيت شعر؛ فبكى وأبكى عشرة فله ولهم الجنة، ومن أنشد في الحسين بيتاً؛ فبكى و أبكى تسعة فله ولهم الجنة -فلم يزل حتى قال:- من أنشد في الحسين بيتاً فبكى -وأظنه قال:- أو تباكى فله الجنة [6].
وهناك الكثير من الشَّواهد والوقائع على تشجيع الأئمة للشعراء الحسينين والتفاعل معهم، ومقابلتهم بالدعم المعنوي والمادي الوفير، والتي تحوَّلت بعد ذلك إلى دوافع ومحفِّزات؛ تُحرِّك مشاعر وأحاسيس ورغبة جميع المحبين لآل البيت (عليهم السَّلام)، وتثير فيهم شغفَ نظم المراثي في الأئمة المعصومين عامةً، وفي أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ومصيبته الرَّاتبة الجليلة خاصةً؛ أيّاً كانت توجهاتهم ومستوياتهم وثقافتهم.
ولكون العلماء والحكماء ومن لهم اليد الطولى في العلوم الإلهية؛ كانت لهم حالاتهم الخاصة مع أبي الأحرار (عليه السلام)، ركَّزوا الكثير من جهودهم لكي يُسجِّلوا أسماءهم في ديوان شعراء الإمام الحسين (عليه السلام)، وأن يُؤرِّثوا أبياتاً تُخلِّد ذِكْرهم على منابره وفي مآتمه.
ومع ذلك... قلَّما تجد عالماً لم تتجاوز حياته
عقدها السَّابع، وله ما يربوا على (132)كتاباً في عويصات المسائل،
وغوامض العلوم، وله الباع الطويل في النشاطات والمهام والمطارحات
الفكرية مع فطاحل العلماء والمفكرين؛ رغم كلِّ ذلك يسجل في رصيد
ديوانه الولائي ما يزيد على ألف وأربع مائة بيتاً؛ ضمن ثلاث
قصائد مدحٍ في أهل بَيْتِ النَّقاوة والطهارة، واثني عشر قصيدة
رثاء في قتيل العَبْرَة والعِبْرَة (عليه السلام)؛ حملت في طيَّاتها
ما جاشت به قريحته من لوعة وألم، ولهفة وحسرة، وتمنٍّ ورجاء،
ولم تخلو –أيضاً- من إشاراتٍ أو تلويحاتٍ إلى بعض ما استنبطته
عبقريته الفذَّة من أسرار تلك الثورة الخالدة. بالإضافة إلى
قصيدة أخرى أثبت فيها شكايته من بعض القرى التي لم تعجبه أرضها
ولا أهلها؛ لما فيها وفيهم من الصفات والأخلاق الذميمة.
هذه القدرة الأدبية الخلاَّقة؛ تمثَّلت في شخصية
الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي الشِّعريَّة؛ أحد عمالقة
أعلام الشيعة الإمامية، وعميد مدرسة لها ثقلها بين المدارس الفكرية؛
بما أثرته من آراء وتوجهات، صحَّحت وأكملت ما أخفقت أو تعثرت
فيه المدارس الأخرى التي سبقتها.
وسنحاول فيما يلي -من خلال سَبْر بعض تفاصيل
سيرته الذاتية- أن نتعرَّف على البذور الأولية التي تفتحت بها
الذهنية الشِّعريَّة عند شيخنا الأوحد، وصنعت قدرته على الإبداع
في استخدام الأساليب الشعرية، والمحسنات البديعية، والقوالب
البلاغية، المسبوكة -في كثيرٍ من الأحيان- بعناية فائقة. في
البدء:
حادثةٌ تدور فصولها في مسقط رأس هذا الشيخ في
شرقي الجزيرة العربية؛ وتحديداً في (المطيرفي) إحدى قرى مدينة
الأحساء، التي ينتسب إليها، وفي بُكرة طفولته البريئة. ولكي
لا يفوتنا شيء من تفاصيلها فلنتابع -وبإمعان- ما ينقله لنا يَرَاعُه
المبارك: قال (قُدِّس سره): »فلمَّا أراد الله - سبحانه - إنقاذي
من تلك الحالات[7]، اجتمعتُ مع رجل من أقاربنا -من المقدمين
في طرق الضلالة، المتوغلين في أفعال الغواية والجهالة- وقال:
أنا أريد أنظم بعض أبيات الشعر، وأريدك تعينني. هذا وأنا صغير
ما بلغت الحلم!! فقلت له: أفعل.
فقعدنا في خلوة، فأخذ أوراقاً صغاراً عنده، يقلِّب فيها، وإذا فيها أبيات شعر؛ منسوبة للشيخ علي بن حماد البحراني الأوالي (تغمَّده الله برحمته ورضوانه) في مدح الأئمة (عليهم السَّلام) وهي :
| ِللهِ قَـــوْمٌ
إِذَا مَـــا اللَّـيْـــلُ جَنَّـهُــــمُ |
|
قَامُوا مِنَ
الفُرْشِ لِلرَّحْمَنِ عُبــّـَادَا |
| الأَرْضُ تَبْكِي
عَلَيْهِم حِيْنَ تَفْقِدُهُم |
|
لأنَّهُـــمْ جُعِـــــلُوا
لِلأَرْضِ أَوْتــَــــادَا |
| هُمُ المُطِيْعُوْنَ
فِي الدُّنْيَا لِخَالِقِهِـم |
|
وَفِي القِيَامَةِ
سَادُوا كُلَّ مَنْ سَادَا |
| مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ
خَيــْر مَـنْ خُلِـقُــــــوْا |
|
وَخَيْرَ مَنْ
مَسَكَتْ كَفـَّــاهُ أَعْـــوَادَا |
| وَيَرْكَبُوْنَ
مَطَـــــايَـــــا لا تمَـــلـهُـــم |
|
إِذَا هُمْ
بِمُنَادِي الصُّبـْـحِ قَــدْ نَادَى |
فلما قرأ هذه الأبيات، ألقاها؛ وقال: الحاصل
.. إن الذي ما يعرف النحو؛ ما يعرف الشِّعر«.
هذه الحادثة -التي اعتبرها شيخُنا؛ العَامِل المنقذ الذي انتشله
من حالاتٍ كان يعانيها- تفتح أمامنا آفاقاً رحبة للتعرف على
العمق الأدبي الذي كان مخبوءاً في أعماقه، منتظراً من يُشعل فيه
فتيل الانفجار الإبداعي.
ولا ينبغي أن نمرَّ على هذه الحادثة مرور الكرام؛ بل حَرِيٌّ بنا
أن نتساءل عن بعض مفرداتها، فلأيِّ سببٍ يلتجىء شخصٌ يريد أن
ينضم بعض أبيات الشعر إلى شيخنا وهو طفل صغير لم يبلغ الحلم؟! بل
ويطلب منه المعونة والمساعدة؟!.
وأليس من المفروض من الأطفال العاديين أن ينفروا من هكذا محفل
أدبي مصغَّر؟! فضلاً عن أن يُوافقوا على عرض الإعانة في فنٍّ لم
يستأنسوا به، ولم يمارسوه من قبل.
والغريب أنَّ الشيخ عبد الله في ترجمة حيات أبيه؛ حين تطرق لهذه
النقطة، أردف كلام الشيخ المتقدم بقوله: »ولمَّا سمعت منه هذا
الكلام؛ دار بخاطري أن أتعلم النحو، حتى أتمكن من إنشاء الشعر
[8].
ولماذا يلتقي مثل هذا الشخص، بمثل هذا الصبي، وبمثل هذه الأبيات؛
التي يفوح منها نَفَس الولاء المحمدي، في ظروفٍ ووَسَطٍ يصفه
الشيخ لنا بقوله: »وكان أهل بلدنا في غفلة وجهل، لا يعرفون شيئاً
من أحكام الدِّين، بل كل أهل البلد، صغيرهم وكبيرهم، لهم مجامع
يجتمعون فيها بالطبول والزمور والملاهي والغنّاء، والعود
والطنبور«[9].
ثمَّ لأيِّ سبب يعتبر شيخنا أنَّ وراء هذه الحادثة إرادة إلهية
وتدبير سماوي؛ لاستخلاصه من حالات طالما عانى منها، مما أدى
لرسوخها في ذاكرته ونقلها -بعد مضي سنين كثيرة- لولده الأكبر
محمد تقي؟!.
في هذه العجالة؛ أحبِّذ أن يتكفَّل خَلَدُ قارئي العزيز بالبحث
والاستنتاج لإجاباتِ ما أَثَرْتُه من تساؤلات آنفاً.
وأمَّا سؤالنا الأخير؛ فقد كفانا مؤونة الإجابة عنه شيخنا نفسه
حين أردف كلامه قائلاً:» فلمَّا سمعت هذا الكلام منه، وكان صبياً
أمُّه بنت عم أمي (تغمده الله برحمته)؛ اسمه الشيخ أحمد بن محمد
آل بن حسن، يقرأ في النحو، في بلدة قريبة من بلدنا، بينهما قدر
فرسخ، عند المرحوم الشيخ محمد بن الشيخ محسن (قدس الله روحه).
نقلت للشيخ أحمد: ما أول شيء يُقرأ فيه من
النحو؟
فقال: عوامل الجرجاني.
فقلت لَه: أعطني أكتبها. فأخذتها وكتبتها، ولكني أستحي أن أذكر
لوالدي (قدس الله روحه ونور ضريحه)، لأنه كان عندي من الحياء شيء
ما يُتَصوَّر، حتى أن ذلك الحال الذي أشرت إليه من الاشتياق إلى
أفعال أولئك الفساق، ما اطلع عليه أحد إلا الله سبحانه.
فمضيت فيه إلى موضع من بيتنا، يقعد فيه والدي ووالدتي، ونمت فيه،
وبيّتُّ بعض الأوراق التي فيها (العوامل)، وأتت والدتي -وأنا
مغمض عيني، كأني نائم- ثم أتى والدي، وقال لوالدتي: ما هذه
الأوراق، التي عند أحمد ؟
قالت: ما أعلم.
فقال: ناولينيها.
فأخذَتْها، وأنا أرخيت أصابعي -من حيث لا تشعر- حتى تأخذ
القرطاس، فأَخَذتْها وأعطتها والدي (رحمه الله)، فنظر فيها وقال:
هذه رسالة نحو، من أين له هذه؟.
قالت: ما أدري.
فقال: ردِّيها مكانها.
فردَّتها، وأَلَنت أصابعي -من حيث لا تشعر- فوضعتها في يدي،
وبقيت قليلاً، ثم تمطَّيت وانتبهت، وأخفيت القرطاس؛ كأني أحب أن
لا يطَّلع عليها.
فقال لي والدي: من أين لك هذه الرِّسالة النحوية؟.
قلت: كتبتها.
فقال لي: تحب أن تقرأ في النحو؟.
فقلت: نعم.
وجرت (نعم) على لساني، من غير اختياري -وأنا في غاية الحياء- كأن
قولي نعم من أقبح الأشياء، ولكن الله -وله الحمد والشكر- أجراها
على لساني من غير اختياري.
فلمَّا كان من الغد أرسلني مع شيء من النفقة إلى البلد التي فيها
الرَّجل العالم -أعني الشيخ محمد بن الشيخ محسن- واسمها؛
القُرَين، ووضعني مع ذلك الصبي، الذي تقدَّم ذكره، وهو الشيخ
أحمد (رحمه الله)، فكان شريكي في الدَّرس عند الشيخ محمد.
وقرأت (العوامل) و(الآجرومية) عنده، ورأيت في المنام رجلاً،
كأنَّه من أبناء الخمس والعشرين سنة، أتى إليّ - وعنده كتاب -
فأخذ يعـرّف لي قوله تعالى:{ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى }[10].
مثل خلق أصل الشيء، يعني هيولاه. فسوّى صورته النوعية، وقدّر
أسبابه، فهداه إلى طريق الخير والشر. يعني من هذا النوع، وإن لم
يكن خصوص ما ذكرتُه.
فانتبهت وأنا منصرف الخاطر عن الدنيا، وعن القراءة؛ التي
يعلِّمناها الشيخ، لأنه إنما يعلمنا: (زيد قائم). زيد: مبتدأ،
وقائم: خبره.
وبقيت أحضر المشائخ، ولا أسمع لنوع ما سمعت في المنام من ذلك
الرجل شيئاً.
وبقيت مع الناس بجسدي، ورأيت أشياء كثيرة، لا أقدر أحصيها [11].
هذه الفصول من الأحداث الطريفة؛ وإن كنَّا قد أسهبنا في نقلها
بطولها، إلا أنها كانت حلقات سلسلة من التطور والتحول الذي عاشه
الشيخ في مراحل عمره المتقدمة، كانت بدايتها ببركة تلك الحادثة،
فهل كانت هذه التحولات ستحصل لو لم تبدأ من هذه الحادثة؟؟...
الله العالم.
وبما أنَّ شيخنا تطرق لذكر أبيه في هذه الحادثة؛ يجدر بنا أن
نشير إلى أمرٍ يفيدنا في التعرف على المجتمع الذي كان يعيشه
ويؤثر فيه، وهو هذا الأب الذي ما كانت موهبة نظم المراثي تنقصه
أبداً، وإلى ذلك يشير شيخنا في أحد قصائده فيقول:
|
فَإِنَّ أَحْمَــدَ يَرْجُـــوْ مِنْ
جَنــَابِــكُـمُ |
|
أَنْ
تَقْبَلُوْهَا بِتَقْصِيْرِي وَإِقْرَارِي |
| وَتَشْفَعُوْا
لِي وَزَيْنِ الدِّيْنِ وَالِدِيَ الـَّ |
|
ـذِي رَثَاكُمْ
وَأُمِّي ثُمَّ لِلْجَارِ[12] |
ويقول –أيضاً- في قصيدةٍ أخرى:
| وَإِنِّي
بِحَمْدِ اللهِ أَحْمَدُ فِيْكُمُ |
|
نِظَامِي
وَزَيْـنُ الدِّيْـنِ يَنْعَـاكَ رَاثِيَــــــا |
| أَبِى
فَانْظُرُوْنَا وَالأَخِلَّاءَ فِيْكُمُ |
|
وَمَنْ قَدْ
عَلِمْتُمْ مِنْ أَحِبَّايَ دَانِيَا[13] |
الحادثة الأخرى التي تسترعي انتباهنا وتستحق
أن نسلط عليها الأضواء -في بحثنا هذا- هذه المرة أحداثها مكتنفة
في عَالَم الرُّؤى والمنامات الصادقة؛ التي قال فيها الرَّسول
الأعظم: »مَنْ رَآنِي فِي مَنَامِهِ فَقَدْ رَآنِي؛ لِأَنَّ
الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَلَا فِي صُورَةِ
أَحَدٍ مِنْ أَوْصِيَائِي، وَلَا فِي صُورَةِ وَاحِد مِنْ
شِيعَتِهِمْ، وَإِنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ؛ جُزْءٌ مِنْ
سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ«[14].
هذا العَالَم الذي أثَّر تأثيراً بالغاً في بناء شخصية شيخنا،
وثقافته المحمدية، وتعلقاته بهم (عليهم السلام)، وما سنرويه؛
رؤية من عشرات الرؤى[15]، التي لم يرو منها إلا النـَّزر اليسير.
قال فيها:»ثم أني رأيت ليلة، كأني دخلت مسجداً فوجدت فيه رجالاً
ثلاثة، وشخص آخر يقول لكبير الثلاثة: يا سيدي! ..كم أعيش؟.
فقلت: من هؤلاء؟ ومن هذا الذي تسأله؟.
فقال: هذا الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السَّلام) فمضيت
إليه وسلمت عليه، وقبَّلت يده، وتوهَّمت أن الذين معه: الحسين،
وعلي بن الحسين (عليهما السَّلام).
فقال (عليه السلام): هذا علي بن الحسين، وهذا الباقر (عليهما
السَّلام) .
فقلت: أنا -يا سيِّدي- كم أعيش؟.
فقال: خمس سنين، أو أربع سنين. أو قال: خمس سنين وأربع سنين.
فقلت له: الحمد لله.
فلما عَلِم مني الرِّضا بالقضاء؛ قعد عند رأسي، وذلك كأني -حين
إظهاري الرِّضا بما قال- نائمٌ على قفاي، ورأسي إلى جهة القطب
الجنوبي، وهم (عليهم السَّلام) قيامٌ على جانبي اليمين،
كالمصِّلين على الميت، إلا أن الحسن (عليه السلام) مما يلي رأسي.
فلمَّا أظهرت الرِّضا بالقضاء؛ قَعَد عند رأسي، ووضع فمه على
فمي...فتعلَّقت به؛ فوضع يده على وجهي، وأمرَّها إلى صدري، حتى
وجدت بُرْد يده الشريفة في قلبي.
ثم كأنِّي أنا وهم قيام، فقلت له: يا سيدي! أخبرني بشيء، إذا
قرأته رأيتكم.
فقال لي :
|
كُنْ عَنْ أُمُوْرِكَ مُعْرِضَا |
|
وَكِلِ الأُمُـوْرِ إِلَى القَضـَــا |
| فَلَرُبَّمَا اتَّسَعَ المَضِيْـــ |
|
ـقُ وَرُبَّمَا ضَاقَ الفَضـَــــا |
| وَلَـرُبَّ أَمْـــــرٍ مُتـْعِـبٍ |
|
لَكَ فِي عَوَاقِبِــهِ رِضـَــــا |
| اللهُ يَفْعَــلُ مـَــا يَشَـا |
|
ءُ فَلَا تَكُنْ مُتَـعَــرِّضـَــــــا |
| اللهُ عَوَّدَكَ الجـَمِيْــــلُ |
|
فَقِسْ عَلَى مَا
قَدْ مَضَى |
ثم قال :
| رُبَّ أَمْرٍ ضَاقَتِ النَّفْسُ بِهِ |
|
جَاءَهَا مِنْ قِبَلِ اللهِِ فَــرَجْ |
| لا تَكُنْ مِنْ وَجْهِ رُوْحٍ آيِساً |
|
رُبَّمَا قَدْ فُرِّجَتْ تِلْكَ الرُّتَجْ |
| بَيْنَمَا المَرْءُ كَئِيْــبٌ دَنـِـفٌ |
|
جـَـــاءَهُ اللهُ بِــرُوْحٍ وَفَـرَجْ |
وكان يقرأ من الأول فقرة، ومن الثاني فقرة، فقلت: كيف هذا؟.
فقال (عليه السلام): قد يُستعمل في الشِّعر هكذا... [16].
إذا أردنا أن نتغافل عن ما حملته هذه الحادثة؛ من الألطاف
الفريدة، والعناية الخاصة؛ من أئمة الهدى، ومن كريم أهل البيت
بالخصوص (عليه وعليهم السَّلام)، وغير ذلك من الأمور العجيبة
التي أبرزتها لنا أمثال هذه الحادثة وغيرها؛ فإنَّ للكلام عنها
مجال آخر، أمكننا أن نسلِّط الضوء على أمرٍ يخصُّ بحثنا هذا وهو:
إنَّ رَبْطَ الإمام الحسن (عليه السلام) إمكانية رؤية الأئمة
(عليهم السَّلام) بأبيات شعريَّة حول بعض الآداب والأخلاق
السَّامية؛ لم يكن اعتباطاً، مع إمكانه أن يكون ذلك عن طريق
آياتٍ من القرآن الكريم، أو فقرات من أدعيتهم؛ التي تنضح بلاغةً
وحلاوةً ورقَّةً وخشوعاً.
قد يكون ذلك على سبيل تغيير المألوف، أو لأن التركيبة والصِّياغة
التي كان يعيشها شيخنا في تلك الفترة، كانت تلائمها هذا النوع من
التوجيه؛ فيكون من باب »قد أُمِرنا -الأئمة- أن لا نكلم الناس
إلا على قدر عقولهم«[17]. أو لهدف أن تكون هذه الرُّؤية درساً،
يتوخَّى منه الإمام تأصيل الفن الأدبي، واستثارته في نفس شيخنا
(قدِّس سره)؛ ليكتب ما كتب –كما ستؤكده لنا بقيَّة أحداث هذه
الرؤية- وغير ذلك؛ من الاحتمالات التي قد تكون سرَّ اختيار هذه
الأبيات بالذات من قبل الإمام... والله العالم.
يختم شيخنا هذه الحادثة بقوله: »والحاصل:.. ثم إني بقيت أقرأ
الأبيات كل ليلة، وأكرِّرها، ولا أراهم ( عليهم السلام )...
ثم إني استشعرت؛ أنه (عليه السلام) ما يريد مني قراءة الأبيات،
وإنما يريد مني التخلق بمعانيها. فتوجهت إلى الإخلاص في العبادة،
وكثرة الفكر، والنَّظر في العالم، وكثرة قراءة القرآن، والاعتبار
والاستغفار في الأسحار.
فرأيت منامات غريبة عجيبة في السماوات، وفي الجنَّات، وفي عالم
الغيب والبرزخ، ونقوشاً وألواناً تُبْهر العقول«[18].
وإِنْ كانت حادثتنا الآتية هي مضمَّنة في ثنايا الحادثة السابقة؛
بيد أنَّ لها مؤشِّراتها الخاصَّة، ودلالتها المهمَّة، تفرض
علينا نقلها منفصلةً، وإمعان النَّظر الدقيق، ومن ثمَّ استخلاص
أمور مهمة، نتطرَّق لذكرها لاحقاً.
يقول شيخنا –قبل ختام تلك الرُّؤيا-: »فقلت: يا سيدي! هل رأيت
القصيدة التي أولها :
| أَلَا انْظُرْنَ يَا خَلِيْليَّ بَيْنَ أَحَوَالِي |
|
فِي أَيّهَا هُوَ أَحْلَى لِي وَأَحْوَى لِي |
فقال: رأيتها، وهي عجيبة، إلا أنها ضائعة.
وذلك إنما قال (عليه السلام) ذلك؛ لأني نظمتها في التَّغزل، فقلت
له: إن شاء الله تعالى أنظم في مدحكم قصيدة.
ثم أني أحببت انصرافهم، لئلا أنسى هذه الأبيات، وثقة مني بوعده
(عليه السلام).
ثم إني -ذات ليلة- قعدت آخر الليل لصلاة الليل، وكان قريب بلدنا
بلد اسمها (البابة). وفيها نخلة طويلة جداً، ما رأيت - منذ خلقت
- نخلة طولها. وعليها حمامة راعبية، وهي تنوح، فذكَّرتني تلك
الرُّؤيا، ومن رأيت. فنظمت القصيدة، في مدحهم (عليهم السَّلام)
التي أوَّلها:
| بِيَ العَزَا
عَزَّ وَجَلَّ الوَجَل |
|
وَمَاجَ مَدْمَعِي بِمَا احْتَمل |
وهي موجودة [19].
نستخلص من هذه الحادثة –باختصار- عدَّة أمور:
1) شهادة أحد سادات البلاغة والفصاحة كالإمام الحسن (عليه
السلام) لإحدى
قصائد شيخنا بأنها »عجيبة«؛ مع أنها من أوليات بذور النظم الشعري
عنده، فمن الطبيعي، وبمقتضى ما يملك من قريحة وقَّادة، وذهنٍ
صافٍ أصيل؛ أن يتطوَّر مستواه بعد ذلك إلى الأفضل والأحسن
والأعجب.
2) توجيهه (عليه السلام) للشيخ بإسلوبه الخاص؛ إلى أنَّ مثل هذا
الغرض –الغزل- وإن كان لَه ما لَه، وعليه ما عليه؛ إلا أنَّ هذا
ليس هو المستوى الذي يُطمح إليه ويُراد منه.
وكأنَّه حثٌّ أو طلبٌ مضمَّن من الإمام بأن يتوجَّه الشيخ إلى
مدحهم ورثائهم. ومما يؤيد ذلك فهم الشيخ –ببداهته السريعة- ذلك
الطلب أو الاستحثاث المضمَّن، فأجاب بقوله: » إِنْ شاء الله
تعالى أنظم في مدحكم قصيدة«.
3) بعد التتبع –الغير يسير، والاستعانة ببعض أصدقائنا المضطلعين
في التتبع- لما هو متوفِّر في أيدينا من مخطوطات أو مطبوعات ما
صنَّفه الشيخ (قدِّس سره)، وجمع كل ما وقعت عليه يدنا من أبيات
متيقَّنة النسبة إليه؛ كان محصَّلتها رقم ضخم من الأبيات يصل
إجماليُّه إلى (1407) بيتاً.
مع ملاحظة: أنَّ تلك القصيدة الغَزَلِية المذكورة في هذه
الحادثة؛ لم نعثر ما يشابه ألفاظها بين تلك الأبيات، فضلاً عن
وجود الأبيات ذاتها.
يَدل ذلك؛ على أنه بالإضافة إلى هذه المجموعة الهائلة من الأبيات
الشعرية المعلومة بأيدينا، وما حوته هذه القصائد المفقودة؛ توجد
أيضاً مجموعات أخرى -للأسف الشديد- لم يحالفنا الحظّ في الإطلاع
عليها، وعلى ما بلورته من أفكار وتجلِّيات مختلفة.
واستطراداً أقول: إنه -بعد ملاحظة ما مضى من شواهد، وبعد الإطلاع
بعينٍ متفحِّصة على كلِّ بيتٍ في ذلك النِّتاج الضَّخم- ينبغي
التأني والتَّروي والتفكير أكثر قبل الحكم على شعر شيخنا بأنه
كان؛ »قليلاً وعاديّاً«[20].
وكونه عالماً فيلسوفاً أكثر من كونه أديباً شاعراً، وطغيان
شخصيته العلمية على اتجاهه الأدبي؛ ليس مانعاً من كون شعره
كثيراً ومتميِّزاً في نفس الوقت، وهو الذي قال عنه تلميذه
السيِّد الرشتي، وأعرف أهل زمانه به: » أذعنت له العلماء، وخضعت
له الأدباء والشُّعراء، لأنه في علم العروض لا مثيل له... وفي
علم النَّحو أستاذ أهله، وسيبويه من أحد تلامذته؛ كالخليل في
الصرف، وفي علم المعاني والبيان مستقلٌ ومؤسسٌ ومؤصِّل
القواعد... [21].
وليت شعري... أيُّ علمٍ يحتاجه أَعَاظم الشُّعراء والأدباء غير
ما ذُكِرَ من علومٍ وفنون؟!. وبالخصوص في مدح أو رثاء من لا
يُحصى ثناؤهم ولا يبلغ من المدح كنههم (صلوات الله عليهم
أجمعين)، لذلك نرى الشيخ يقول في أحد قصائده:
| مَمادِحُهُمْ مِلاْءُ الْفَضَا فَلِأَجْلِ ذَا |
|
عَلَى مَادِحِيْهِمْ يَسْهُلُ النَّثْرُ وَالشِّعْرُ[22] |
ويبقى أن ندعو من لَه الباع الأدبي المرموق، والذوق الشعري
الرَّفيع؛ ليكون لهم الحُكم الحاسم في هذه المسألة؛ بدل أن نلقي
الأحكام -هنا وهناك- جُزافاً.
راضي ناصر السلمان
يوم ولادة الإمام الباقر (عليه السلام)
الأول من رجب 1422هـ
[1] مودَّة الآل في الأدب العربي؛
للعلامة الشيخ باقر بوخمسين، ص: 95- 96.
[2] تاريخ الطبري، ج:6، ص:271.
[3] بحار الأنوار، ج:10، ص:167.
[4] وسائل الشيعة، ج:14، ص:105، باب: استحباب مدح الأئمة (عليهم السلام)
بالشعر.
[5] المصدر السابق.
[6] كامل الزِّيارات، ص: 106.
[7] المقصود من تلك الحالات قوله: » إِنْ كُنتُ مع الصبيان في لعبهم؛ فأنا
مشتغل باللعب معهم، وإن كنت وحدي؛ فأنا أتفكر وأتدبر«.
راجع سيرته بخطه، ص:46.
[8] سيرة الشيخ الأوحد، من تأليف ابنه؛ الشيخ عبد الله، الباب: الثاني،
ص:6-7.
[9] سيرته بخطه، ص:52.
[10] سورة الأعلى (الآيتان / 2-3).
[11] سيرته بخطه الشريف؛ ص:49-إلى-53.
[12] ديوانه بخطه الشَّريف، ص:75. القصيدة الثامنة، البيتان: 86- 87.
[13] ديوانه بخطه الشريف، القصيدة التاسعة، البيتان: 90-91.
[14] من لا يحضره الفقيه، ج:2، ص:584.
[15] قال عنها الشيخ نفسه: »لا أقدر أحصيها«. راجع سيرته بخطِّ يده، ص:53.
[16] سيرته بخط يده، ص:55-إلى-58.
[17] التوحيد، ص:8.
[18] سيرته بخط يده، ص:60.
[19] سيرته بخط يده، ص:58-إلى-60.
[20] قال صاحب كتاب (أعلام هجر)، ج:1، ص:222؛ ما هذا لفظه: »كان (قدس سره)
عالماً فيلسوفاً أكثر من كونه أديباً شاعراً، وقد طغت شخصيته
العلمية على اتجاهه الأدبي، وهذا ما جعل شعره يكون قليلاً
وعاديّاً«.
[21] دليل المتحيِّرين، ص:46.
[22] ديوانه بخطه الشَّريف، ص:90. القصيدة العاشرة، البيت: 54.
|