|
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين المعصومين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين آمين رب العالمين .
تعتبر مظالم العباد العقبة الكؤود التي يصعب على كثير من الناس تجاوزها ، والأمر فيها أصعب من أي عقبة أخرى لأن المعصية إذا كانت بين العبد وربه واستغفر منها وندم ، غفر الله له ، بينما إذا كانت مظالم العباد عرضة في تلك المعصية فإن الله سبحانه لا يغفر للعبد حتى يرد هذا العبد للناس حقوقهم ومظالمهم ويبقى سالماً من كل تبعة .
فلقد روي عن شيخ من النخع قال :-
(( قلت لأبي جعفر إني لم أزل والياً في زمن الحجاج إلى يومي هذا فهل لي من توبة ؟ .
قال : فسكت الإمام ، ثم أعدت عليه . فقال : لا ، حتى تؤدي إلى كل ذي حق حقّه ))(1) .
وروي أيضاً (( أن شاباً من أهل الكوفة أقبل إلى الإمام الصادق وأخبره بأنه كان في ديوان بني أمية ، وأصاب من دنياهم مالاً كثيراً ولم يهتم بأمر مصدره ، حيث كان أكثره من أموال الناس وممتلكاتهم ..! فسأل الإمام قائلاً :- جعلت فداك هل من مخرج وتوبة مما كان لي معهم ؟ فقال :- من تاب تاب الله عليه ولكن للتوبة شروط فهل تفعل ما أقول لك ؟ قال : نعم أفعل .
قال :- اخرج من جميع ما كسبت من دنياهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله ، ومن لم تعرف صاحبه تصدقت عنه ، وأنا أضمن لك على الله العفو والجنة .. فأطرق الفتى طويلاً ثم رفع رأسه .. وقال قد فعلت جعلت فداك . ورجع إلى الكوفة فما ترك شيئاً من أمواله التي نالها من بني أمية إلا وخرج منه حتى ثيابه التي كانت عليه .!
قال علي بن حمزة ، فقسمنا له قسمة واشترينا له ثياباً وبعثنا له نفقة فما أتي عليه أشهر حتى مرض فكنّا نعوده .. فدخلنا عليه يوماً فرأيناه في حال النزع ففتح عينيه .. وقال يا بن أبي حمزة قد وفى لي صاحبكم بما وعد ))(2) .
وهكذا تحقق الحديث القائل بأن المؤمن التائب يبشر بالجنة عند موته(3) .
ولعلك تسأل :-
كيف تردّ للناس حقوقهم ؟ مع أن الحقوق ربما كانت في المال وربما كانت في غيره كما أن صاحب الحق ربما كان حياً وربما كان ميتاً ، أو أنّ ردّ بعض الحقوق ربما يكون سبباً لإحداث فتن وأحقاد لا مبرر لها . ونقول للإجابة على ذلك : -
يمكن تقسيم الحقوق إلى أربعة أقسام في المال والنفس والعرض والدين ..
أولاً : ما كان في المال :-
أن يرده إلى صاحبه إن كان حيّاً ، وأما إن كان ميتاً وجب ردّه إلى ورثته ، وإن جهل صاحبه تصدق به نيابة عنه ، وإن عجز عن رد المال لكونه فقيراً مثلاً وجب الاستحلال منه وفي المسألة تفصيل واسع يمكن مراجعته في كتب الفقه .
ثانياً : ما كان في النفس : -
فإن كان قد قتل أحداً خطأً مثلاً وجب أن يعطي الدية مع الالتزام بكفّارة القتل خطأ ، وإن كان عمداً وجب عليه مع كفارة العمد أن يمكن أولياء المجني عليه ليقتص منه ، أو يجعلونه في حل من أمره ، وماذا لو عجز عن ذلك ؟
يقول العلامة النراقي في جامع السعادات(4) :- إن عجز عن ذلك فعليه أن يكثر من عتق الرقاب لأن ذلك نوع إحياء وإيجاد لا يقدر الإنسان على أكثر منه ، فيقابل به الإعدام والإماتة وعليه الرجوع أيضاً إلى الله بالتضرع والابتهال أن يرضيه عنه يوم القيامة .
ثالثاً : ما كان في العرض :-
كأن اغتابه مثلاً فعليه أن يعتذر منه ويطلب منه مسامحته فإن خشي حدوث فتنة أو ربما ترتب على ذلك مفسدة فعليه أن يكثر من الاستغفار له . وهذا فيما إذا لم تبلغ الغيبة المستغاب أما إذا بلغته وجب حينئذٍ الاستحلال منه .
وكذلك فيما إذا شتمه أو قذفه أو بهته ، حيث أنّ عليه أن يكذب نفسه عند من قال ذلك لديه ويستحل من صاحبه إن أمكن وعند خوف المفسدة عليه أن يكثر من الاستغفار له .
رابعاً : ما كان في الدين :-
كأن نسب مسلماً إلى الكفر أو الضلالة أو الشرك فليكذب نفسه بين يدي من قال ذلك عنده ويطلب من صاحبه أن يجعله في حلّ من أمره ، ومع عدم التمكن عليه أن يستغفر له ويكثر الابتهال إلى الله ليرضيه عنه يوم يقوم الناس لرب العالمين .
وفي الجملة عليه أن يردّ للناس حقوقهم ومظالمهم ويسترضيهم ويستغفر لهم وأن يستعين على ذلك بإلهه وخالقه بأن يسأله المهلة لفعل ذلك وإرضاء من لا يسعه إرضاؤه لبعد سفر ، أو موت ، أو ما شابه ذلك ، وحبذا لو داوم على قراءة هذا الدعاء العظيم للإمام السجاد عليه السلام حيث يقول فيه :-
(( اللهم إني استغفرك لكل نذر نذرته وكل وعدٍ وعدته وكل عهد عاهدته ثم لم أفِ به ، وأسألك في مظالم عبادك عندي فأيما عبد من عبيدك أو أمة من إمائك كانت له قبلي مظلمة ظلمتها إياه في نفسه أو في عرضه أو في ماله ، أو في أهله وولده ، أو غيبة اغتبته بها ، أو تحاملٍ عليه بميل أو هول أو أنفةٍ أو حميّة أو رياء أو عصبية غائباً كان أو شاهداً ، وحياً كان أو ميتاً فقصرت يدي وضاق وسعي عن ردّها إليه والتحلّل منه فأسألك يا من يملك الحاجات وهي مستجيبة لمشيئته ومسرعة إلى إرادته أن تصلي على محمد وآل محمد وأن ترضيه عني بما شئت وتهب لي من عندك رحمة إنه لا تنقصك المغفرة ولا تضرك الموهبة يا أرحم الراحمين ...))(5) .
لقد آن الأوان أن تخلص أنفسنا من تبعاتها ، وأن نعطي من أنفسنا القصاص لمن له حقّ علينا فإن القصاص في الدنيا أهون من القصاص في الآخرة ، هاهو سيد البشر صلى الله عليه وآله مع أنه معصوم من الزلات منـزه عن الخطيئات يعلمنا كيف نخلص أنفسنا من تبعات الناس وذلك حينما نعيت له نفسه وصعد المنبر وخطب في الناس ، وأعطى من نفسه القصاص كما في قصة سواده (6) .
وقد سُأل جناب الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي قدس سره عن معنى قول الجناب النبوي صلى الله عليه وآله في جواب سواده : ( حاش أن يكون عن عمدٍ )(7) ؛ فإذا لم يكن عن عمد فهل المراد هو السهو ، أو يوجد غير العمد و السهو حالة أخرى ، وعلى الأول لا يجوز السهو عليهم عليهم السلام .
فأجاب الشيخ قدس الله نفسه الزكية أقول : ( اعلم أنه صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى ، وإنما يقول عن الله تعالى ، أو بالله .
بمعنى أن جميع ما يصدر عنه من قول أو عمل فإنما هو بأمر الله ، أو بتسديد الله ، إذ لم يخله من يده وتسديده طرفة عين أبداً .
وإنما ضرب بطن سواده بإلهام من الله ، حتى يكون إذا دعاه إلى القصاص ، لأجل أن القصاص في الدنيا أهون فضيحة من القصاص في الآخرة بين جميع الخلائق على رؤوس الأشهاد ، ينظر إليه جميع العباد ، فأنه أبلغ من الموعظة باللسان خصوصاً منه صلى الله عليه وآله ، لأنه إذا خاف هو مع علو مقامه وقربه من الله عز وجل فكيف حال غيره فلذا ألهمه الله تعالى أن يفعل ذلك .
فلا يكون على هذا الوجه فعله عن عمد ؛ لأن المراد بالعمد هنا أن يكون فعل ذلك بشهوة نفسه ، وميل هواه ، طلباً لمضرة سواده ، وإنما فعل ذلك عن إلهام .
ويحتمل أن يكون لما أراد ضرب الناقة صرف جبرائيل عليه السلام القضيب إلى بطن سواده فأصابه ؛ ليدعوا صلى الله عليه وآله سواده إلى القصاص ، ليبين للناس بأن الله يقتص للمظلوم من كل أحد حتى من نبيه صلى الله عليه وآله .
وعلى كل حال لم يكن فعله صلى الله عليه وآله عن خطأ ، أو سهو ، أو عن غفلة ، أو لا عن اعتداء وظلم ، وما أشبه ذلك مما ينافي العصمة ، وإنما هو بأحد أمرين :
إما بأمر من الله أو إلهام أو تسديد ، بحيث يكون راجحاً شرعاً وعقلاً .
وإما من فعل الملك عن أمر الله تعالى ؛ لأجل مصلحة الأمة بهذه الموعظة العظيمة ، ولمنفعة سواده ، فإن الله قد عفا عنه وغفر له حيث عفا عن بطن رسول الله صلى الله عليه وآله ) (8). انتهى كلام الشيخ قدس سره .
نقول : أن هذه الشريعة المقدسة التي تأمر بالقسط ، لا ترضى من المؤمن أن يكف الظلم من نفسه ، بل عليه أن يقاوم الظلم ، ولا يقبل أن يرى مظلوماً ينتصر ولا ينصره .
كما ورد في الخبر أنه جيء إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بثلاث أشخاص أحدهم قاتل ، والآخر ماسك للمقتول أي معيناً للقاتل ، والثالث يستطيع أن يدفع ولم يدافع بمعنى ناظر .
فأمر الإمام أن يقتل القاتل ، والماسك يسجن حتى الموت ، والثالث تفقأ عينه (9).
فلو دققنا في حكم الإمام عليه السلام لرأينا أن الإمام عليه السلام حكم على الشخص الثالث بأن تفقأ عينه . يقول الإمام زين العابدين عليه السلام في الصحيفة السجادية (( اللهم إني أعتذر إليك من مظلوم ظلم بحضرتي فلم أنصره ، ومن معروف أسدي إليّ فلم أشكره ، ومن مسيء اعتذر إليّ فلم أعذره )) (10) .
ولعمري في قصة بني خزيمة كما ورد في الغدير (11) نرى كيف أن رسول الله صلى الله عليه وآله أرسل أمير المؤمنين عليه السلام ودفع لهم دية الرجال وقيمة كل دم سفك لهم من الأنعام حتى قدم لهم الأموال ليرضوا من نفوسهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله .
ا(1) الكافي ، الشيخ محمد يعقوب الكليني ، دار الكتاب الإسلامي ، طهران – إيران ، تعليق علي أكبر الغفاري ، ج2 ، ص 231 ، حديث : 3 .
ا(2) تهذيب الأحكام ، الشيخ محمد بن الحسن الطوسي ، دار الكتب الإسلامية ، طهران – إيران ، ط4 ، 1365هـ ش ، تحقيق السيد حسن الخرساني ، ج6 ، ص331 ، حديث : 41 .
ا(3) الكافي ، مصدر سابق ، ج3 ، ص129 ، حديث 1 .
ا(4)
ا(5) الصحيفة السجادية ، ( أبطحي ) الإمام زين العابدين ، تحقيق مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام بإشراف محمد علي الأبطحي نمونه ، قم ، ص 544 ، حديث : 238 .
ا(6) الاستغفار أمان لأهل الأرض ، الشيخ حسن الخويلدي ، ص 86 .
ا(7)
ا(8) مجموعة الرسائل الحكمية ، الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي ، ص 258 .
ا(9)
ا(10) الصحيفة السجادية ( أبطحي ) ، الإمام زين العابدين عليه السلام ، تحقيق مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام بإشراف محمد علي الأبطحي ، نمونه ، قم ، ص 187 ، حديث : 100 .
ا(11) الغدير ، الشيخ عبد الحسين الأميني ، ج7 ، ص
|