|
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلّ على محمد وآل محمد
الجهة الأولى : الجانب التشريعي للتقية .
فُطر الإنسان على التعامل مع الآخرين ، والعيش ضمنهم ، فليس من الطبيعي عيشه وحيداً ، وليس من الصواب إهمال هذا الجانب الحيوي في الإنسان .
بل ذكر الله تعالى أن أحد الغايات لخلق الخلق التعارف مع الآخرين ، قال تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) .[1]
وقال السيد الطباطبائي في ذيل هذه الآية الكريمة : (وذلك أنه نبههم في صدر الآية على أن الناس بما هم ناس يساوي بعضهم بعضاً ، لا اختلاف بينهم ، ولا فضل لأحدهم على غيره ، وأن الاختلاف المترائي في الخلقة من حيث الشعوب والقبائل إنما هو للتوصل به إلى تعارفهم ، ليقوم به الاجتماع المنعقد بينهم ، إذ لا يتم ائتلاف ولا تعاون وتعاضد من غير تعرف ، فهذا هو غرض الخلقة من الاختلاف المجعول ، لا أن تتفاخروا بالأنساب ، وتتفاضلوا بامتثال البياض والسواد فيستعبد بذلك بعضهم بعضاً ، ويستخدم إنسان إنساناً ، ويستعلي قوم على قوم فينجر إلى ظهور الفساد في البر والبحر ، وهلاك الحرث والنسل ، فينقلب الدواء داء) .[2]
إلا أنه وللأسف الشديد قد يقع الإنسان في اضطهاد ، وذلك بسبب معاشرته للمضطهِدين ، الذين لا يقبلون إلا اتباع الناس لهم تمام الاتباع ، وفي الحق والباطل ، فيعيش في ضيق وقلق ، وخوف على النفس والأهل والمال .
وللتعايش في هذا الجو بحث الإنسان عن وسيلة تنجيه من الخطر ، وتضمن له العيش في الرخاء والأمان ؛ ففتش في خزائن تجاربه فلم يجد حلاً مناسباً يبقيه على ما هو عليه من الحق ويبعد عنه صولة المتجبرين إلا التقية ، وهي ما لجأ إليه عمار بن ياسر عندما أراد النجاة من عذاب الكفار ، وهو ما أنزل الله تعالى فيها قوله تعالى (من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)[3]
وسيأتي الكلام حول تشريعها إن شاء الله تعالى .
ومع أن الكلام حول التقية كثير ، ومن عدة جهات ، إلا أننا سنقتصر حول جهتين :
الأولى : حول الجانب التشريعي للتقية .
الثانية : حول الجانب الأصولي للتقيّة وبالخصوص في مسألة ترجيح الخبر في حالة التعارض .
ولنبدأ الآن في تفصيل الكلام حول الجهتين :-
الجهة الأولى : الجانب التشريعي للتقية .
بما أن المسلم لا يعمل إلا بما يوافق الشرع الإلهي علينا أن نرجع إليه لننظر حكمه الشريف في التقية ، إذ لكل واقعة حكم من الله تعالى ، والبحث هنا يقع في نقاط:
أ- تعريف التقية :
للتقية تعاريف كثيرة ، منها ماهو لغوي ، ومنها ماهو فقهي ، فلا بأس بذكر بعض التعاريف اللغوية و الفقهية .
1 – التقية لغة :
قال الفيروزآبادي : واتَّقيتُ الشئ ، وتَقيتُه أتَّقيه ، وأتقيه تُقى ، وتقيَّةً وتقاءً ككساء حَذِرتُه . [4]
وقال الطريحي : والتقوى فعلى كنجوى ، والأصل فيه ( وقوى ) من وقيته : منعته ؛ قلبت الواو تاءً ، وكذلك تقاة ، والأصل وقاة ، قال تعالى ( إلا أن تتَّقوا منهم تقاة ) [5]؛ أي اتقاء مخافة القتل .وجمع التقاة تقى كطلى للاعناق . وقرئ ( تقية ) .
والتقية والتقاة اسمان موضوعان موضع الإتقاء . [6]
2 – التقية اصطلاحاً :
قال الشيخ الطوسي : فالتقية الإظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على النفس إذا كان ما يبطنه هو الحق فإن كان ما يبطنه باطلاً كان ذلك نفاقاً .[7]
وقال الشيخ الأنصاري في تعريفه للتقية : التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق . [8]
وقال السرخسي : والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما أظهره ، وإن كان يضمر خلافه . [9]
ب- أدلة تشريع التقية :
التقية من الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم والسنّة الشريفة ، وفيهما دلالة واضحة على مشروعيتها ، وجوازم العمل بها .
ومع ذلك فهي لا تحتاج إلى إقامة البراهين والأدلة على تشريعها ، وجواز العمل بها ، وفي هذا يقول المحقق السيد عبد الأعلى السبزواري قدس سره : (ولا ريب في جواز التقية ، بل إنها من القواعد المسلمة لدى الجميع ، والمرتكزة في الأذهان ، ولا تحتاج إلى إقامة البرهان ، لأنها كما عرفت من صغريات قاعدة ((تقديم الأهم على المهم)) ، التي هي من القواعد الفطرية …) .[10]
ومن الأدلة على تشريعها :
1- قوله تعالى : (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) .[11]
لو رجعنا إلى التفاسير التي تكلمت حول هذه الآية لدلتنا على جواز التقية ، ومنها :
أ- قال البيضاوي : (إلا أن تتقوا منهم تقاة) إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه أو اتقاء . والفعل معدى بمن ، لأنه في معنى تحذروا وتخافوا . وقرأ يعقوب(تقية) منع عن موالاتهم ظاهراً وباطناً في الأوقات كلها إلا وقت المخافة فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز كما قال عيسى عليه السلام : كن وسطاً وامش جانباً) .[12]
ب - قال الرازي : (اعلم أن للتقية أحكاماً كثيرة ونحن نذكر بعضها :
1- إن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار ، ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان ، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان ، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة ، ولكن بشرط أن يضمر خلافه ، وأن يعرض في كل ما يقول ، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب) .[13]
ولزيادة البحث ارجع إلى ابن عادل الحنبلي في تفسيره [14] ، والزمخشري في كشافه [15].
2- قوله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) .[16]
وهذه الاية الكرية تدلنا على جواز التقية ، وقد نص على ذلك من كتب عنها ، ومنهم :
أ – قال الجصاص في أحكام القرآن : وقد اقتضت الآية جواز إظهار الكفر عند التقية ، وهو نظير قوله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) .[17]
ب – قال الإمام الشوكاني : ويدل على جواز التقية قوله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) . [18]
التقية والعلماء :
قد عرفنا مما سبق جواز العمل بالتقية وهنا أحب أن أنقل بعض أقوال العلماء في مسألة التقية ، ومنهم :
قال الشيخ الطوسي : والتقية عندنا واجبة عند الخوف على النفس . [19]
وقال الحسن البصري : التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة . [20]
وقال السرخسي : والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما أظهره ، وإن كان يضمر خلافه . وقد كان بعض الناس يأبى ذلك ، ويقول : انه من النفاق ؛ والصحيح أن ذلك جائز ، لقوله تعالى ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) ، وإجراء كلمة الشرك على اللسان مكرهاً مع طمأنينة القلب بالإيمان من باب التقية ، وقد بينا أن رسول الله صلى الله عليه [ واله ] وسلم رخص فيه لعمار بن ياسر رضي الله عنه . [21]
ا[1] سورة الحجرات 49/13
ا[2] السيد محمد حسين الطباطبائي ، الميزان ، مؤسسة الاعلمي ، بيروت ، 1411هـ ، ج18 ، ص331
ا[3] سورة النحل 16/106
ا [4] الشيخ محمد الفيروزآبادي ، القاموس المحيط ، دار الفكر ، بيروت ، ج4 ، ص 401 .
ا[5] سورة آل عمران : 28 .
ا[6] الشيخ فخر الدين الطريحي ، مجمع البحرين ، مؤسسة الوفاء ، بيروت ، ط 2 ، 1403 هـ ، ج 1 ، ص 451 .
ا[7] الشيخ محمد الطوسي ، التبيان في تفسير القرآن ، دار احياء التراث العربي ، بيروت ، تحقيق وتصحيح أحمد حبيب العاملي ، ج2 ، ص434 .
ا[8] الشيخ مرتضى الأنصاري ، التقية ، دار الهادي ، بيروت ، ط 1 ، 1413 هـ ، تحقيق الشيخ فارس الحسون ، ص 45 .
ا[9] الشيخ محمد بن أبي سهل السرخسي ، المبسوط ، دار المعرفة ، بيروت ، 1406 هـ ، ج 24 ، ص 45 .
ا[10] السيد عبد الأعلى السبزواري قدس سره ، مواهب الرحمن في تفسير القرآن ، مؤسسة المنار ، قم ، ط3 ، 1418 ، ج5 ، ص202
ا[11] سورة آل عمران 2/28
ا[12] الشيخ عبد الله بن عمر البيضاوي ، أنوار التنزيل وأسرار التأويل ، مؤسسة شعبان ، بيروت ، ج2 ، ص12
ا[13] محمد بن عمر الرازي ، مفاتيح الغيب ، دار الفكر ، بيروت ، 1415هـ ، قدم له الشيخ خليل مي الدين الميس ، م4 ، ج8 ، ص14-15
ا[14] عمر بن علي بن عادل الحنبلي ، اللباب في علوم الكتاب ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط1 ، 1419هـ ، تحقيق وتعليق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض ، ج5 ، ص144 .
ا[15] محمود بن عمر الزمخشري ، الكشاف ، مكتبة العبيكان، الرياض ، ط1 ، 1418هـ ، تحقيق وتعليق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض ، ج1 ،ص545 .
ا[16] سورة النحل 16/106
ا[17] أحمد بن علي الرازي الجصاص ، احكام القرآن ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط 1 ، 1415 هـ ، ضبط نصه وخرج اياته عبدالسلام محمد علي شاهين ، ج2 ، ص 12 .
ا[18] الشيخ محمد بن علي الشوكاني ، فتح القدير ، عالم الكتب ، بيروت ، ج1 ، ص 332 .
ا[19] الشيخ محمد الطوسي ، التبيان في تفسير القرآن ، دار احياء التراث العربي ، بيروت ، تحقيق وتصحيح أحمد حبيب العاملي ، ج2 ، ص435 .
ا[20] الشيخ محمد بن أبي سهل السرخسي ، المبسوط ، دار المعرفة ، بيروت ، 1406 هـ ، ج 24 ، ص 45 .
ا[21] الشيخ محمد بن أبي سهل السرخسي ، المصدر السابق ، ج 24 ، ص 45 .
|