كتب الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي
الكلامية والحكمية الأهمية والوظيفة
بقلم الشيخ/سعيد القريشي

حتماً الكتب الأصول في كل مدرسة ، عليها المعول في فهم أسسها ونظرياتها العلمية أو الفلسفية .

وكتب المؤسس تعتبر الأهم لدى الباحث لأنها المصدر أما المرجع فمهما كان متقناً يكون قابلاً للنقد والوقوع في الأشتباه .

وعلى الأخص إذا كان كاتب هذا المرجع بعيداً عن مؤسس هذه المدرسة وعصره .

وأنه قريب ولكنه أخذ نظرياته ليس من سلسلته المتصلة به من علماء المدرسة وفلاسفتها .

وهناك مراجع لتلامذة مؤسس المدرسة ، فالتلميذ الذي نال إجازة من المؤسس أو بواسطة تلميذ قد نال الإجازة من المؤسس ، فهي لا شك في صحتها الفكرية والتأريخية فالباب لا يعتبر من هذه المدرسة مثلاً ولا يعبر عن رأيها لأنه لم ينال إجازة تصله بالمؤسس .

فمن هنا نضع متوالية طولية ، فنقول كتب المؤسس أولاً ثم كتب التلاميذ الذين نالوا الإجازة ثانياً .

أهمية كتب الشيخ الأحسائي (قدس سره) :

تأتي أهميتها كالتالي :

  1. لأنها تعبر عن مدرسة حكمية جديدة بجميع أبعادها في المنهج والأهداف والمضمونالاصطلاح .
  2. لأنها أهم كتب هذه المدرسة بكونها المصدر وكتب تلاميذه مراجع لها وليست مصادر .
  3. كونها تحمل تشريحاً حكمياً لأهم المدارس الفلسفية العلى ضوء الإسلام إلى ما قبل ظهور الشيخ المؤسس .
  4. كونها تحمل نظريات ثمينة لم تكتشف إلى الآن .
  5. أنها كما يدعي صاحبها [1] من أهل البيت عليهم السلام على خلاف الفلسفات الأخرى.

الأسلوب اللغوي في كتب الأحسائي :

برع الشيخ الأحسائي في جميع علوم اللغة كما برع في كل ما كتب وهذا ما انعكس على نصه الفلسفي والفقهي الأصولي والعلمي إن من يقراً نصه الحكمي في شرح الزيارة يجد السهولة والوضوح وفي نفس الوقت المتانة والقوة والجزالة والعمق العامي.

ومن السهولة بمكان حينما نقرأ نصه الفلسفي على الخصوص نجد أن اللغة مطواعة لديه ، وهذا ما جعل فلسفته تسمى (السهل الممتنع) على العكس من الكثير من الكتب الفلسفية والكلامية المليئة بالتعقيد النصي بحيث لا تصل للمضمون بسهولة ويسر .

ومن هنا نقول يتميز نصه بالتالي:

  1. السهولة
  2. الوضوح
  3. القوة والمتانة
  4. العمق
  5. التسلسل المنطقي في عرض الفكرة .

المنهج المستخدم في كتبه :

إن جل الكتب الفلسفية تستخدم الأسلوب الفلسفي المليء بالتعقيد والمطاطية وفي بعض الأحيان إذا ما كان في الكثير يكون هذا الأسلوب مشبعاً بالمغالطة الفكرية وهذا ما يجعل الخصم مفحماً ولكنه غير مقتنع .

ومن هنا أدرك شيخنا ببركة أهل البيت عليهم السلام أن هذا الأسلوب غير صالح لعرض الحقائق والمحاورة . بل الأسلوب القرآني هو الأنجح في عرض الحقيقة الصافية دون لبس أو ريب .

ومن ميزات الأسلوب القرآني ، الوضوح والسهولة في تناول الحقائق الموضوعية ،واعتماده على اسرار الوجود والطبيعة،أي من هنا يكون التلاؤم بين أسرار الوجود والطبيعة المستخدمة في هذا الأسلوب والفطرة الأنسانية المخزنة فيها هذه الأسرار جميعاً وإذا أخذنا أمثلة تطبيقية على الأسلوب القرآني قول الصادق لأبن أبي العوجاء لما دخل عليه: ((يابن أبي العوجاء ! أنت مصنوع أم غير مصنوع ؟ قال: لست مصنوع .

فقال له الصادق : فلو كنت مصنوعاً كيف كنت ؟ فلم يحر ابن أبي العوجاء جواباً ،وقام وخرج )) [2] .

وأيضاً مع الديصاني ((قال : دخل أبو شاكر الديصاني – وهو زنديق – على أبي عبد الله (ع) وقال : يا جعفر بن محمد دلني على معبودي ! فقال أبو عبد الله : اجلس ! فإذا غلام صغير في كفه بيضة يلعب بها فقال أبو عبد الله : ناولني يا غلام البيضة ! فناوله إياها ، فقال أبو عبد الله : يا ديصاني هنا حصن مكنون ، له جلد غليظ ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق ، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مايعة ، وفضة ذائبة ، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المايعة ، فهي على حالها ، لا يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن إصلاحها ، ولا يدخل إليها داخل مفسد فيخبر عن إفسادها ، لا يدري للذكر خلقت أم للأنثى ، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس ، أترى له مدبراً ؟

قال : فأطرق ملياً ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأنك إمام وحجة من الله على خلقه ، وأنا تائب مما كنت فيه )) [3] .

فمن هذين النصين نرى وضوح الأسلوب القرآني المتمثل في قوله تعالى : (( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن )) [4] .

نلاحظ أن الصادق (ع) لم يستخدم أي أسلوب فلسفي مطلقاً ، ولا أي شكل من الأشكال الأرسطية للقياس بل استخدم عقل ابن أبي العوجاء الفطري لإقناعه ، والبيضة –وهي من أسرار الطبيعة – للديصاني .

ونلاحظ أن الديصاني كان فيلسوفاً وطوال حياته ما نفعته الفلسفة ، ولم توصله إلى الإيمان بالله . بل التي أوصلته إلى ذلك بيضة ببركة الإمام الصادق (ع) .

وإذا أخذنا نماذج من الآي الكريم ، نجد مثلاً قوله تعالى : (( أفي الله شك فاطر السموات والأرض )) [5] غاية في البلاغة والإقناع بوجود الله سبحانه ، فهي لم تستخدم أي نظام فلسفي بل اعتمدت على فطرة الإنسان في دعوته للإيمان بالله فمن المقطوع به إنه لا يوجد من ينكر نظام السببية من البشر إلا السفسطائيون حيث أن لكل شيء سبباً وسبب خلق هذا الوجود هو الله جل وعلا .

وكذلك قوله تعالى : (( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير )) [6] إن من تدركه الأبصار حتماً لن يكون إلهاً لأنه محدود والمحدود مخلوق ضعيف والفطرة تدرك أنه مثلها وعلى العكس منه الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار فهو إله لإدراك الفطرة إنه يمتلك صفات الألوهية وليست صفات المخلوق المصنوع .

وهاك نموذجاً يعرضه المؤلف نفسه في شرح الفوائد : (( وكذلك مثل دليل المجادلة بالتي هي أحسن كما إذا قلت إن كان في الموجودات قديم خالق وليس بخلوق ثبت الواجب تعالى وإلا فلابد لها من صانع إذ يستحيل أن توجد نفسها أو توجد بغير موجد لها وكلا الوجهين محال )) [7] .

والأسلوب القرآني له ثلاثة خطوط كما عبرت عنها الآية السالفة . دليل الموعظة ودليل المجادلة بالتي هي أحسن . وقد فصلناها في مقالتنا عن (مدرسة الشيخ أحمد الأحسائي الفلسفية) فلا حجة لذكرها هنا .

الكتب حسب الأهمية والوظيفة :

(1)شرح الفوائد:

يعتبر أهم الكتب على الإطلاق .. لأنه يمثل الجاني التأسيسي لفكر الشيخ الأوحد الفلسفي الحكمي ، ومن ناحية أخرى ألف الشيخ هذا الكتاب عنوة دون طلب من أحد ثم طلب منه شرحه ، فأمر تلميذه النابغ السيد كاظم الرشتي (قدس سره) شرحه ، فشرحه ولكنه خرج الشرح صعباً ومعقداً ، فلذلك أمر الشيخ تلميذه الآخر المولى الميرزا حسن كَوهر بشرحه فشرحه فخرج صعباً كما الأول ، فقام هو شخصياً بشرحه وكان هذا الكتاب ومن هنا تأتي أهمية (شرح الفوائد) كالتالي :
أولاً: إنه الكتاب المؤسس لفكر مؤلفه .
ثانياً : إنه يحوي أهم اصطلاحات الشيخ المبتكرة وشرحها .
ثالثاً : إنه المنهج الدرسي لفكر الشيخ الأحسائي وبعده تعطي إجازة في الحكمة . وهو يعتبر من ناحيتين سطوح الحكمة وخارج الحكمة .
رابعاً : إنه فكر الشيخ صرف دون مقارنة مع غيره ، على العكس من شرح المشاعر والعرشية .
خامساً : أنه ضم منهجية الشيخ أحمد الحكمية .

هوية الكتاب :
مؤلفه الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (قدس سره) .
لم يطبع إلا طبعة حجرية إلى الآن ، نعم هناك جهود لطبعه ولكن لم يخرج إلى النور .
يضم الكتاب ( 19 ) فائدة .

(2) شرح الزيارة الجامعة:

شرح الزيارة الجامعة ، هو أشهر كتاب للشيخ أحمد ، وأيضاً أكثر كتاب اشتهر به (قدس سره) لأنه كتاب فريد من نوعه إلى الآن في شرح هذه الزيارة العظيمة .

لم يشرح شيخنا الزيارة إلا بطلب من السيد حسين بن المرحوم السيد محمد قاسم الحسيني الأشكوري الجيلاني . ويقع هذا الشرح في أربعة أجزاء وأهمية هذا الكتاب تأتي من التالي :
أولاً : لكونه أشهر كتاب عرف به علامتنا الجليل .
ثانياً : إنه من فكر أهل البيت عليهم السلام ومظهر لفكرهم ومقاماتهم عليهم السلام في صورة غايةً في الإتقان الحكمي والبلاغي .
ثالثاً : يعتبر التوليد الأهم للأسس والقواعد الحكمية التي وضعها شيخنا الجليل في شرح الفوائد من روايات أهل البيت عليهم السلام .
رابعاً : فكر أهل البيت بدأ على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله مروراً بالإمام أمير المؤمنين علي (ع) ثم الحسنين ثم زين العابدين ثم الصادقين وكان قمة ظهوره الحكمي المقاماتي على يد الإمام الهادي عليه وعليهم السلام وكان هذا النضج مصاغاً بيد القدرة الإلهية في الزيارة الجامعة فمن هنا أتى شرح الزيارة لشيخنا شرحاً لذلك الهيكل الفكري العظيم .
خامساً : أقول أنا كاتب المقال : إن شرح الزيارة لهذا الشيخ الجليل من أروع ما أبدعه العقل الشيعي على الإطلاق ، فقط أطلب ممن يقرأه يقرأه بإنصاف دون تحيز ، فسيجني منه كنوزاً من الحكمة عجيبة .

هوية الكتاب :
المؤلف الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي .
طبع مرتين ، الأولى طبعته مطبعة السعادة في كرمان ، وهي طبعة قديمة بدون تاريخ ، ولكنها طبعة سليمة من الأخطاء مفهرسة جيداً في أربع مجلدات .
وطبع مرةً أخرى طبعة تجارية طبته دار المفيد وهي طبعة حديثة ، ولكنها أقل فهرسة من الأولى . وهناك جهود أخرى لطبع هذا الكتاب .

(3)شرح المشاعر وشرح العرشية :

في الأساس هما كتابان للملا صدرا أو صدر المتألهين الشيرازي قام الشيخ بشرحهما . أما شرح العرشية بطلب من الملا حسين علي ، وأما شرح المشاعر بطلب من طالبي الحق و اليقين وتأتي أهمية هذين الكتابين من التالي :
أولاً : كونهما منهجاً مقارناً بين فكر الشيخ الحكمي وفكر الملا صدرا أولاً ، وفكر المتفلسفة الآخرين ثانياً .
ثانياً : إنهما يمثلان عمليةً تشريحيةً حكميةً نقديةً لفكر صدر المتألهين الفلسفي ولغيره الوارد معترضاً في هذين الكتابين .
ثالثاً : برزت مدى صحة أفكار الشيخ الحكمية بالمقارنة مع فكر غيره .
رابعاً : كونهما منهجاً مقارناً للدراسة رائعَين لدراسة مدرسة الشيخ وصدر المتألهين الفلسفيتين .

هوية الكتابين :
مؤلف متني الكتابين الشيخ محمد الشيرازي المعروف بصدر المتألهين .
شارح المتنين الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي .
العرشية يقع في ثلاثة أجزاء .
المشاعر يقع في جزء واحد كبير .
طبعتهما مطبعة السعادة بكرمان بتاريخ ( 1366) ، طبعة جيدة مفهرسة . ولم يطبعا غيرها حتى الآن ، ولكن هناك جهود لطبعهما .

(4)حياة النفس في حضرة القدس :

هو كتاب في أصول الدين الخمسة ، تميز بأسلوب تأليفه على خلاف مؤلفات أصول الدين الأخرى ، فهو سهل وعميق ، فهو كما يمتاز بالسهولة يمتاز بالصعوبة لمن لم يأنس بتعابيره ومصطلحاته مما يؤدي به إلى الاشتباه . وتأتي أهمية الكتاب من التالي :
أولاً : كونه في أصول العقيدة ، وهذا مما يعطيه أهمية كبرى ؛ لأنه يعرض عقيدة شيخنا دون التواء فلسفي أو تأويل عرفاني أو زخرفة بلاغية .
ثانياً : هو رد على من شكك في عقيدة شيخنا الجليل ، كمن قال : بأنه أنكر ولادة المهدي المنتظر (ع) .
ثالثاً : كونه منهجاً دراسياً للمبتدئين في حكمة شيخنا الجليل .
رابعاً : حقق فيه خلاصة مسائل التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد بشكل مختصر .

هوية الكتاب :
مؤلفه الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي .
طبع عدة مرات آخرها طبعة بيروت بتاريخ 1421هـ .


ا[1] الأحسائي الشيخ أحمد بن زين الدين ، شرح الفوائد ، ط حجرية ص 4.
ا[2] علي بن أ حمد ، أبي منصور الطبرسي ، الإحتجاج ، ط 2، بيروت ، الأعلمي ، ص333 ج2 .
ا[3] مرجع سبق ذكره ،ج2 ص333 .
ا[4] سورة النحل 125 .
ا[5] سورة ابراهيم 10 .
ا[6] سورة الأنعام 103 .
ا[7] مصدر سابق ، شرح الفوائد ص 8 .


القرآن الكريم   -   السنة المطهرة   -   الحكمة   -   الفقه وأصوله  -   الأخلاق  -   الأدب  -   أشياء أخرى
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي - تصميم وتطوير تصميم وتطوير بيان ميديا