الشيخ الأحسائي ونظرية المعرفة
(الحلقة الثانية)[*]
الشيخ سعيد محمد القريشي

في الحلقة الماضية أخذنا نظرية المعرفة واليوم نكمل هذه النظرية ، فشرحنا مقدمة لهذه النظرية وكذلك المذهب العقلي والمذهب التجريبي ، ونقدنا المذهبين، والآن ندخل في المصدر الثالث للمعرفة وهوالإلهام والإشراق(الكشف).

الإلهام أو الإشراق ( الكشف )[1] :

المقصود به الكشف أي أن الإنسان إذا جرد لوح العقل عن الكدورات ، وغيرها من الموانع ، يشرق عليه نور العلم والمعرفة ، فهناك مدرسة من أيام أفلاطون إسمها المدرسة الإشراقية ، وفي الفلسفة الإسلامية تبنى هذا الجانب الفيلسوف المشهور السهروردي ، وهنا نقصد بالإلهام والإشراق ليس خصوص هذه المدرسة بل كل من يؤمنون بمسألة الكشف والإشراق .

فنقصد بالإلهام والكشف والإشراق هنا جميع طرق السالكين إلى الله سبحانه وتعالى حتى يصلوا إلى مرحلةالكشف والإلهام .

إذن هناك جملة من الفلاسفة يستمدون معلوماتهم من الإشراق والكشف ، يعني ينقّون أنفسهم و يجردون ألواح عقلوهم عن الكدورات حتى تنكشف لهم الحقائق ، فيطوون مراحل السلوك التي سنذكرها وبعد أن يطووا أول مرحلة ويصلون إلى آخر مرحلة تنكشف لهم العلوم والمعارف ، فيكتبونها في طواميرهم كما فعل صدر المتالهين في كتابه الأسفار الأربعة بعد أن انقطع عن الناس لمدة خمسة عشر سنة ، وكذلك ابن عربي في الفتوحات المكية ، بغض النظر عن صحة هذه الحقائق وعدمها وكذلك ما فعله "الدربندي" في أسرار الشهادة عندما يتكلم عن قضايا الإمام الحسين عليه السلام فهو يتكلم عن طريق الكشف والإشراق ,

وكذلك الشيخ الأوحد ( رضوان الله تعالى عليه ) وكذلك السيد كاظم الرشتي ( قدس سره ) الذي فصل مراحل سلوكه في شرح القصيدة وذكر اسم كل ملك رآه في طيه للمراحل .

فالإنسان إذا سلك هذا الطريق يصل إلى مرحلة تنكشف له العلوم ، يقول السيد كاظم الرشتي (قد سره ) : أنه تنكشف له العلوم بمقدماتها [2]، أي ـ مثلاً ـ الفقه ينكشف له وكذلك مقدماته من اللغة والمنطق وغيرها من مقدمات هذا العلم .

والكشف معناه : إما أن يلهم إلهاماً أو يرى على الحقيقة ، أي يرى الشيء كما هو بحسب رتبة هذا السالك والواصل إلى الله تعالى[3] .

فالإلهام والإشراق علماء الغرب لا يعترفون به إطلاقاً ، لماذا ؟

لأنهم يعتمدون على المادة ويؤمنون بها ، فالوجود عندهم جانب مادي فقط ، أما الإلهيون الذين يعتقدون بأن الوجود ليس محصوراً في المادة ، بل هناك ماوراء المادة الذي يعتبرونه الغيب أو الماورائيات ، فهم يؤمنون بهذا المنهج ويسلكون طريقه .. حتى يتصلوا بتلك الماورائيات ، وأبرز جانب في هذا القضية هو نظرية الفيض ، وهي مشهورة عند الفلاسفة – إن شاء الله – نتعرض لها في أحد الدورس .

هذا باختصار – هو معنى الإشراق والإلهام ، ونحن هنا لسنا بصدد شرح الإلهام والإشراق بشكل مفصل وإنما قصدنا أن نلمح أنه أحد مصادر المعرفة ، وقد شرحنا الكشف في دروس حياة النفس بشكل مفصل ، وقلنا بأن هذا الإلهام وهذا الكشف قديكون رحماني أو شيطاني أو وهمي .

حتى يحصل للإنسان هذا الطريق وهذه المعرفة ذكر العرفاء بشكل عام -بغض النظر عن رأي الشيخ الأوحد - شروطاً حتى يحصل له هذا التلقي[4] :

الشرط الأول : عدم النقصان :
يعني أن تكون قابلية هذا السالك إلى الله تعالى قوية بحيث تستمد ذلك الفيض من ذلك المقام ، فلو كان طفلاً فلا يستمد ، لأنه لم يكتمل عقله ولاجسده ، ولو كان رجلاً خرفاً أيضاً لا يستمد لأن قابليته غير جاهزة لهذا الشيء .

الثاني : الصفاء من الكدورات :
نقصد بها أكل المحرمات والشبهات وغيرها ، فكلها تعمل حجاباً على النفس مما يجعل الإنسان لا يتوصل إلى ذلك المقام ، فالإنسان إذا صفّى هذه الكدورات وهذه الشبهات الغريبة من جسده تصفوا مرآته فتنعكس على الملكوت الأعلى فيشرق عليها النور .

الثالث : تخليتها عن التعصب والتقليد :
فالعرفاء كلهم يؤكدون إذا أراد الإنسان أن يأخذ إلهاماً أو كشفاً جديداً لا بد له أن يترك جميع المسبقات الفكرية حتى يحصل له شيء حديد ، فهو إذا تعصب لرأي معين مسبق قبل الكشف فهذا التعصب يؤثر عليه فلا يجعله يرى الحقيقة صافية .

الشرط الرابع : التوصل إلى المطلوب بتأليف مقدمات :
المقصود هنا أن الإنسان حتى يحصل على الحقيقة من الكشف ، ربما يكشف له فيرى خطأً ، فالسالك لا بدّ أن يكون عالماً ، عنده القدرة على فهم مايرى بحيث يجمع المقدمات ويتوصل إلى نتيجة بأن مارآه صحيح أم خطأ، حقيقة أم وهم ، وبتعبير الشيخ : أن يعرض كل مايكشف له على الكتاب والسنة[5] ، حتى يصل إلى نتيجة سليمة ، فربما يرى إنسان جاهل مسألة رياضية لايستطيع أن يفهمها – في المنام – هذا نوع من الكشف ، أوما بين اليقظة والمنام يكشف له فيرى شيئاً لا يستطيع فهمه إلاّ بتأليف مقدمات ومن ثم نتيجة.

مراحل الإشراق والسلوك :

قبل أن ندخل في هذا الموضوع نتكلم عن قيمة الإلهام والإشراق (الكشف) عند علماء الغرب ، علماء الغرب يؤمنون بالإلهام ولكن ليس بمفهوم الإلهام الذي نحمله ، أي يتعبد ويزيل الكدورات بالشروط المذكورة . إنما إلهامهم كإلهام الشعراء ، كما في قضية نيوتن والجاذبية فعن طريق سقوط التفاحة ألهم فهم قانون الجاذبية الأرضية ، فجميع المكتشفين يؤكدون بأن مكتشفاتهم ومخترعاتهم أتت عن طريق الإلهام[6] ، يعني هكذا كشعراء يحصل على فكرته عن طريق الإلهام .

فالإلهام عند فلاسفة الغرب فجئة كما الشعر ، فالشعر يستشعره الإنسان بموقف فيذهب يكتب قصيدة ، والغرب بهذه الكيفية ، أما أنه يعتقد بأن هناك جانب معنوي وهناك جانب مادي في الوجود ، وحتى يصل إلى الجانب المعنوي لابد أن يخلص نفسه من الكدورات المادية حتى يتصل بالمعنويات العلوية فالإلهام عند الفيلسوف الغربي ليس بهذا المفهوم .

أما منازل السلوك ولا نقصد شرحها نذكرها ذكراً ، لأنها محتاجة إلى درس خاص وفي مواطن أخر .

ونؤكد بأنه لا نقصد رأي الشيخ في هذه القضية ، لأن الشيخ عنده آراء مخالفة في منازل السلوك عما ذكره العرفاء ، فنحن فقط تتكلم عن مصدر للمعرفة عند العرفاء .

فأول مرتبة : اليقظة .
وثاني مرتبه : التوبة .
الثالث : المحاسبة .
الرابع : الإنابة .
الخامس : التفكر .
السادس: التذكر .
السابع : الإعتصام .
الثامن : الانقطاع .
التاسع : كبح جماح النفس .
العاشر : درك اللطائف[7] .

يعني وصل إلى المستوى الأعلى وأدرك اللطائف ، وجميع هذه المنازل تجمع في أربعة أسفار والتي ذكرناها في دروس حياة النفس .

سفر من الخلق إلى الحق ، ومن الحق في الحق ، ومن الحق إلى الحلق ، ومن الخلق في الخلق .

فجميع هذه المنازل المذكورة مطوية في هذه الأسفار الأربعة التي ذكرها صدر المتألهين وذكرها السيد كاظم الرشتي ( قد سره ) في شرح القصيدة ، وذكرها الشيخ الأوحد ( قد سره ) وإن كان هناك إختلاف في مسألة المنازل التي يمرون بها ، أي أن السيد يختلف عن "ملا صدره "، والشيخ يختلف عن الملا صدرا ، بل ربما كل عارف يختلف عن غيره ، فواحد يقول : رأيت كذا وعارف آخر يقول : رأى كذا ، وشرط صعوده إلى كذا وذاك يقول : شروط صعودي كذا .

الوحي :

الآن ننتقل إلى المصدر الأصيل للمعرفة وهو الوحي ، فتارة عن طريق العقل نحصل على الحقائق ، وتارة عن طريق التجربة وتارة عن طريق الكشف (الإلهام الإشراق) ، وتارة عن طريق الوحي وهو مخصوص بأنبياء الله ورسله عليهم وعلى نبينا وآله أفضل السلام.

والوحي تارة يأتي برتبه الأنبياء ، وتارة يأتي عن طريق النوم ، فالرؤيا الصادقة جزء من 70 جزء من ا لنبوة أومن الوحي ، وتارة بالفطرة كما عند النحل[8] .

فالوحي هو أن ينزل ملك مخصوص من الله سبحانه وتعالى على نبي من أنبيائه بطريقة مخصوصة لكي يبلغه نصاً قرآنياً أو خبراً معّيناً ، أو حديثاً قدسياً ، أو أي شيء ،وهذا الوحي إما أن يكون مخصوصاً به أو رسالة موجهة إلى قومه ، إلى فرد بعينه[9].

والوحي خاص بالمعارف الدينية يعني يتكلم عن الأحكام الشرعية والعقائد ، وتاريخ بعض الأمم ، وإلى غيره من هذه الإمور ، والوحي مجموع القرآن الكريم ، فهو مثال عن الوحي لأنه موحى من الله سبحانه وتعالى .

نقطة الاشتراك بين الوحي والإشراق :

كيف يحدث الوحي وكيف يحدث الإشراق[10] ؟

الله عند الفلاسفة المسلمين مبدأ كل فيض ، فكل ما في الوجود من الله وإليه يعود ، فالوجود مركب من جملة عوالم ، أولها عند الفلاسفة (العقل الأول) وعند الشيخ الأحسائي (الفؤاد) وآخرها عند الفلاسفة (العقل العاشر) وعند الشيخ (عالم الملك ) . فكل من النبي أو الفيلسوف يتصل بمبدأ فيضه الأول (العقل الأول ) أو ( عالم الفؤاد ) لكي يرى الحقيقة ، ولكن "النبي" يمتلك نفساً قدسية ملكوتية صافية من الشوائب ،فيتصل مباشرة بالمبدأ دون واسطة أو سلوك منازل ، وعلى العكس منه "الفيلسوف" ( العرفاني ) فهو محتاج إلى السلوك والتصفية من الكدورات كي يطوي المراح ويتصل بالمبدأ الفيّاض .

"فالإنسان الفيلسوف" يرتقي من عالم إلى عالم .. وهكذا حتى يتصل بالفيض الأول ، فإذا اتصل بالفيض الأول صار له إشراق ، فيسمى فيلسوفاً أو عرفانيّاً في الأدب العصري .

قيمة الحقائق التي نأخذها من الوحي والكشف (الإشراق) :

الكشف (الإشراق) بما أنه ليس عليه دليل والذي رآه شخص ولم يره غيره فليس بحجة إلا على نفس ذلك الشخص .

"فالدربندي" في كتابه أسرار الشهادة لا يستطيع أن يلزمنا بأي رأي في أسرار الشهادة ، ولا السيد كاظم الرشتي (قدس سرهما ) ولا الشيخ الأحسائي من كشوفاتهم إلاّ بدليل من القرآن والسنة والعقل ، أما إذا لم يأت بدليل فلسنا ملزمين برأيه ، كما يقول الشيخ الأوحد ( قدس سره ) في كثير من كتبه ، هناك معلومات لا توجد علهيا إشارة ولا عبارة ولا دليل فلا يمكن إخراجها ، كثيراً ما يعبر الشيخ بهذا التعبير أو فيما معناه .

فقيمة الكشف والإشراق حجة على نفس الشخص إلاّ إذا أتى بدليل .

أما قيمة الوحي بما أن النبي ادعى النبوة وأتى بالمعجز وأثبت أنه من الله ، فكلامه له قيمة علمية باعتباره من الله سبحانه وتعالى .

فهذه مصادر المعرفة بشكل مختصر وفق مفهوم الشيخ الأحسائي.

وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .


ا[1] نقصد بالإلهام الكشف حصراً لعدم الاشتباه من الفضلاء ( أنظر شرح الزيارة ، دار المفيد ، ص359 ج1.
ا[2] شرح القصيدة
ا[3] الشيرازي ، الشيخ مكارم ، نفحات القرآن ، ط1 ، ( د ، ت ، ن ) ، مؤسسة أبي صالح للنشر والثقافة ، قم ، ص248 ج1 .
ا[4] مرجع سبق ذكره ، السبحاني ، ص180 .
ا[5] الأحسائي ، أحمد بن زين الدين ، شرح العرشية ، ط1 ، ( د ، ت ، ن ) مطبعة السعادة ، كرمان ، ص3 – 5 / ج1 .
ا[6] مرجع سبق ذكره ، السبحاني ، ص183 .
ا[7] مرجع سب ذكره ، السبحاني ، ص184 .
ا[8] راجع شرح الزيارة
ا[9] مرجع سبق ذكره ، شرح الزيارة الجامعة ، ط1 ، 1999 ، دار المفيد ، بيروت ، ص 358 ج1.
ا[10] انظر ، العوا ، عادل ، المذاهب الفلسفية ، ط5 ، 1997 ، جامعة دمشق ، دمشق ، ص159 – 161 .
ا[*] أحد المحاضرات في شرح كتاب ( أصول العقائد للسيد كاظم الرشتي ) (قد) ، وهي بأسلوب محاضرة وليس بأسلوب قلم .


القرآن الكريم   -   السنة المطهرة   -   الحكمة   -   الفقه وأصوله  -   الأخلاق  -   الأدب  -   أشياء أخرى
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي - تصميم وتطوير تصميم وتطوير بيان ميديا