|
إن من عادة مدرسي الفلسفة وعلم الكلام في الثلاثة القرون الأخيرة ، أو اللاهوت أو أي علم من العلوم يبحثون في نظرية المعرفة ، وهي علم جديد استنبطه علماء الغرب وفلاسفتهم من ثلاثة قرون [2] .
ونظرية المعرفة أو علم المعرفة له أهمية قصوى في كل العلوم .
ماهي نظرية المعرفة ؟
نظرية المعرفة تبحث في العلم نفسه .. يعني بما هو علم ، بقطع النظر عن علم الفيزياء أو الإحصاء أو الرياضيات أو .. أو … إلخ من هذه العلوم .. إذاً لها الصفة العمومية على العكس من نقيضها " الابستمولوجيا " التي تأخذ صفة الخصوصية [3] .
فهي تبحث في العلم بما هو علم وكيف يأتي بمعلوماته وكيف له التأكد من أنّ هذه المعلومات ، أهي صحيحة ، أو خاطئة . وماهي الأدوات التي تحتاجها المعرفة وما شاكل ذلك من هذه القضايا .
فنظرية المعرفة تبحث في المعرفة ، هل هي معرفة حقاً ، أم خرافة ، أو أسطورة .
لماذا نتكلم عن هذه النظرية الآن ؟ نظراً لأهميتها القصوى لكل العلوم وحتى علم الكلام ، بما أنه معلومات قابلة لصدق والكذب . سواء في فلسفة الغرب أوفي فلسفة الإسلام وبما أن هذه النظرية تتعرض له كان لزاماً علينا معرفة هذه النظرية وتقويمها من منظور الشيخ الأحسائي . لقد عرّفنا النظرية آنفاً والآن نعرف وظيفتها ، فوظيفتها التأكد من صحة المعلومات التي يحصل عليها الإنسان _ أي تبحث في أدوات كل علم وكيف تحصل تلك الأدوات على معطيات ذلك العلم [4] _ .
نبذة تاريخية عن بدء المعرفة :
الإنسان ومنذ بدء البشرية على وجه الأرض كان منفعلاً بكل ما يراه ، وكل ما يراه يٍعتبر معلومة لديه ، ولكن هل كل ما حصل عليه من معلومات يعتبر صحيحاً أم خطئاً ، مصيباً يصل إلى درجة اليقين أم الظن أم التخمين أم ، أم...إلخ من هذه الأحكام .
فكان الإنسان القديم عندما يرى زلزالاً لا يعرف من أين يأتي هذا الزلزال ـ هذا كلام فلاسفة الغرب – فينسبه إلى قوى غيبيه ترهبه وتخيفه ، وعندما يرى المطر ينزل لا يعرف مصدره ، فيقول : إن هناك بحراً في الأعلى ينزل منه هذا المطر أو هذا الماء ، وعندما يرى الشمس في كل يوم تخرج وتغيب فلا يعرف لماذا ؟ يحدث هذا الأمر وعلى عظمتها وهالتها فيعدها آلهة فيعبدها ، لأنه لا يعرف سرها وحقيقتها .
وهكذا استمرت المرحلة الدينية أو الخرافية .. حتى تطور ذهن الإنسان وأدوات الإنسان عن طريق اختراع الكتابة واختراع الفأس والنار والدائرة تطور الفكر البشري ودارت عجلة الفكر البشري حتى أصبحت عنده تلك الأدوات التي يمكن من خلالها قياس كل معلومة ـ طبعاً العلم إلى الآن يطور أدواته حتى يصل إلى نتيجة أعلى ويقين أكثر ـ .
ولأهمية الموضوع ، الفلاسفة بحثوا هذه المراحل التي مرّ الفكر البشري بها ومن خلالها ومن ضمنهم " أوغست كونت " . " أوغست كونت " تلميذا لـ "سان سيمون " وهو اقتصادي فرنسي و فيلسوف وباحث في علم الاجتماع والفلسفة .
" أوغست كونت " من الذين بحثوا في نظرية المعرفة ، وعلم الاجتماع وإليه ينسب تأسيس مصطلح " السوسيولوجيا " وتعني علم الاجتماع ،فهو يقسم المعرفة البشرية جميعها ، أي علم كان ، سواء الفلسفة ، أو اللاهوت ، أو الرياضيات أو الفيزياء ، الكيمياء ، الاجتماع ، العلوم الإنسانية كلها ، إلى ثلاثة مراحل مرت بها ، فأول مرحلة يعبر عنها ا بالمرحلة الدينية أو الخرافية [5] ، ومعناها.
المرحلة الدينية :
يقول : إن البشرية في هذه المرحلة كانوا يرجعون كل شيء رأوه إلى الخرافة ـ أي إلى التفسير الخرافي ـ فعندما رأوا الماء أو المطر يسقط من السماء قالوا : إنّ هناك بحراً يسقط منه هذا الماء ، وعندما يخيفهم الرعد والبرق والزلازل والفيضانات يعتقدون أن هناك قوى غيبية مخيفة ، وليست بالضرورة أن تكون الله المهم أن هناك قوة أعلى منهم ، فهم يخضعون لها ويعبدونها أو يتشاءمون منها ويبذلون أموراً كثيرة لكي يتفادوها .
هذه المرحلة اتسمت ـ بشكل مختصر ـ بالتفسير الخرافي أو الاعتماد على الدين وإرجاع كل شيء إلى الآلهة ، فعندما يروا شيئاً يقولون : هذا من الآلهة فقد تكون الله أوقد تكون غيره بسبب تعدد الأديان والمعبودات في تلك الحقبة – والشيخ ينقد أول مرحلة .. يقول له : ـ أي لأوغست كونت ـ نعم . كان هذا الشيء صحيحاً ، ولكن ليست كل المعلومات ، فهناك معلومات من أنبياء الله عن طريق الوحي ، والمعجز، فهذه بلا شك معلومات صحيحة .فهذا " أوغست كونت " لا يميز بين المعلومات التي من الله ، الذي هو حقيقةً موجود وأثبت بالدليل . وما بين المعلومات التي يعتقدون أنها من هبل وغيرها من الأديان والمعبودات ـ طبعاً كان لكل قبيلة شعار معبود يسمى طوطم في علم (الانتربيولوجيا) وهو رمز يعني آلهة وغيره من هذه الأمور .
هذه المرحلة يسميها المرحلة الدينية ، لماذا ؟ لأنهم أرجعوا كل شيء رأوه في تفسيره وحدوثه إلى الآلهة ، والآلهة مطلقاً، فقد تكون الله وقد تكون حجراً ، وقد تكون شمساً ، وقد تكون قمراً . ويسميها المرحلة الخرافية لأنّ التفسير فيها تفسير أسطوري خرافي .
المرحلة الميتفيزيقية :
بعد ذلك انتقلت البشرية إلى مرحلة أعلى وهي قد بدأت منذ عصر الفلسفة اليونانية .
فقام هؤلاء الفلاسفة بتطوير الفكر البشري ، وقاموا بأول عملية تحليل للقضايا ، ووضعوا أول منهج للفلسفة ، وكانت الفلسفة تسمى عندهم أم العلوم ـ أي شاملة لجميع المعارف البشرية ـ وهي فلسفة ميتافيزيقية ، وإلهية وتشمل العلوم الطبيعية ، كالفيزياء والرياضيات والجغرافيا ، وسياسة المنزل وسياسة الدولة ، وسياسة المدن .
والفلسفة الإلهية تشمل البحث فيما وراء الطبيعة ، الله ، صفات الله ، الملائكة ، الجن ، والجنة والنار ، إلى آخره من هذه الحقائق .
ولأنّ الفلسفة ولدت في هذه المرحلة ، سماها مرحلة الفلاسفة ، فالأولى مرحلة الدين ورجال الدين الخرافيين على حد تعبير " أوغست كونت " الذين أرجعوا كل شيء إلى الأسطورة والتفسير الخرافي ، والمرحلة الثانية هي ما تسمى بمرحلة الفلاسفة ، أو المرحلة الميتافيزقية ، يعني التي تعتمد في تفسير كل شيء على الماهيات ، أي كل شيء رأوه أرجعوه إلى الحقيقة الماورائية التي هي وراء الأشياء ، والتي نطلق عليها في علمنا الكلامي والفلسفي الماهية أو حقيقة الشيء ، أو جوهره .
هذه المرحلة وإن كانت – على حسب تعبير أوغست كونت والفلاسفة الآخرين – بأنها قدمت معرفة بشرية متطورة أكثر من المعرفة الأولى ، لكنهّا لازالت تشوبها الخرافة ، وعدم وجود الأدوات الدقيقة في تحصيل المعرفة ، فالبشرية .. حتى هذه المرحلة والمعرفة الحاصلة فيها يعتبرونها مرحلة فلسفية والفلسفة عندهم ليست علماً كما تحدثنا في مقالة (حكمة إسلامية لا فلسفة يونانية) .
قبل أن ندخل في المرحلة ثالثة .
ما هو العلم ؟
العلم عندهم هو الذي يصل إلى درجة اليقين مائة بالمائة 100% ، وكل شيء لا يصل إلى درجة اليقين ، فهو ليس علماً ، فالرياضيات (1+1 = 2) ، فلو كررتها مليون مرة تخرج نفس النتيجة ، إذن هناك يقين ، فهذا هو العلم .
المرحلة الوضعية :
تطورت المعرفة حتى جاء عصر التنوير ـ طبعاً هنا فاصلة زمنية وهي عمر الحضارة الإسلامية وما قدمته للبشرية ، فعلماء الغرب غير المنصفين منهم ، حاولوا طمسها وتهميشها .. لكون الفلسفة الإسلامية وعلوم المسلمين لهما الدور الأساسي في نقل الإنسان والمعرفة البشرية من المرحلة اليونانية وتطويرها إلى عصر التنوير والثورة الصناعية ، وثورة التكنولوجيا والمنهج التجريبي ، فهم يقولون : انتقلنا من الفلسفة اليونانية إلى عصر التنوير ، فما هو عصر التنوير ؟
هو الذي قام فيه مجموعة من المفكرين الغربيين لينيروا الإنسان للحقيقة ، ويبعدوه عن الخرافة . بدءً من العام 1700م ومن العام 1900إلى الآن يسمى العصر الحديث .
فهم بهذا طمسوا دور المسلمين ، الذي نقل الحضارة البشرية والمعرفة البشرية من فلسفية اليونان إلى العصر التنويري والعصر الحديث ولكن في الحقيقة أن هناك علماء غرب كـ" زغريد هونيكه " التي كتبت كتاباً " شمس العرب تسطع على الغرب " أثبتت أن العرب لهم حضارة ثابتة وأصيلة ، وما الحضارة الغربية الحديثة إلاّ مدينة للحضارة الإسلامية ، ولولا الحضارة الإسلامية لما كانت هناك حضارة غربية . وهذا لا يختلف عليه إثنان إلا المتعصبون من فلاسفة الغرب المستشرقين .
فجاءت المرحلة الأخيرة – حسب تعبير أوغست كونت – وهي المرحلة الو ضعية ، يعني المرحلة العلمية التي تعتمد على العلم لا الخرافة ، في الإطار التجريبي ، يقول " أغست كونت " وفلاسفة الوضعية : كل شيء لايقع تحت حواسنا لا نعترف به [6] ، لأنه لا يقع تحت التجربة أو الإستقراء التام أو حتى الناقص ، والذي لا يكون كذلك لا يعتبروه علماً كما درستم في المنطق.
فالمرحلة الوضعية التي تنبع وتنبثق من الفلسفة الوضعية لا تعترف بأي شيء إلا إذا كان واقعاً تحت التجربة _ أي نلمسه بأيدينا ونشمه بأنفوفنا ونراه بأعيننا ونسمعه بآذاننا - .
فالمرحلة الوضعية هي مرحلة العلم لا غير [7] .
فهنا ثلاث مراحل : المرحلة الدينية ، والمرحلة الميتافيزيقية ، والمرحلة الوضعية وعلى هذا الأساس قسّم ورتب " أوغست كونت " العلوم إلى مجموعة علوم بالترتيب ، حسب شروط نذكرها :
أول العلوم هو الرياضيات ، فعلم الفلك ، فالفيزياء ، فالكيمياء فالبيولوجيا وآخر علم وضعه أوغست كونت هو علم الإجتماع "السسيولوجيا" .. لأنه أقل العلوم يقيناً في النتيجة [8] .
لماذا وضع علم الرياضيات في البداية ؟
هناك ثلاثة شروط :
أولاً : المبدأ التاريخي :
حتى يكون العلم في الصدارة أو الرتبة الثانية أو الثالثة فهو يعتمد على المبدأ التاريخي ، أي انتقل من المرحلة الدينية حتى وصل المرحلة الوضعية ، يعني تجاوز مرحلة الخرافات ثم الفلسفة اليونانية ، فوصل إلى مرحلة العلم التي هي المرحلة الوضعية ، فأول من وصل إلى هذه المرحلة هو الرياضيات ، فلذلك وضعه في البداية , فأول شرط من شروط العلم وترتيبه هو المبدأ التاريخي .
الشرط الثاني : الدقة :
يعني تكون نتيجة يقينية 100%، فكل علم كلما كانت نتيجته دقيقة 100%كان في الصدارة ، - المبدأ التاريخي والدقة – وكلما كان أقل دقة كان متاخراً .
المبدأ الثالث : وهو المبدأ العمومي .
يعني يكون داخلاً في أغلب العلوم .لماذا وضع الرياضيات في البداية ؟
لأنه أول من وصل إلى المرحلة الوضعية ، وثانياً : هو أدق العلوم ، فالتجارب التي نراها والبيوت والهندسة والسيارات والطائرات فكلها تعتمد على الرياضيات والأرقام الدقيقه .
سابقاً الإنسان يعمل تجربة ولكن لا يقيسها بمقياس دقيق وهو الأرقام ، فينسى كم وضع وكم صار ؟
فتختل عنده التجربة ولكن لمادخل علم الرياضيات في العلم صار يضبطه ضبطاً دقيقاً ، يعرف الإنسان ماذا يفعل ، مثلاً : البيت كم طوله , وعرضه ، نسبة الأسمنت ، طول الحديد ، نسبة الحديد ، فهو – أي الرياضيات – له تاثير في ضبط العلم .فالآن لولا أنك تحفظ رقم الهاتف لا تستطيع الإتصال على غيرك ، ولولا أنك تحفظ الوقت بالأرقام لاتستطيع أن تحدد ماذا تريد؟
فالرياضيات له دور أساسي في ضبط العلم .فإذن الرياضيات داخل في جميع العلوم ، ولذلك هو شامل ، ولا يوجد علم يستغني عن الرياضيات بغيره ، حتى علم الحكمة وعلم الحرف ، وعلم الفقه .
المبدأ الرابع : التربوي المعرفي :
وهو معرفة القوانين الخاصة بظواهر العلوم التي ذكرت يقتضي معرفة الظواهر التي يدرسها العلم السابق له في الترتيب .
فمن هنا هذه الأشياء التي ذكرت ماهي إلا مقدمة تاريخية لنظرية المعرفة وأهميتها .
فالفلاسفة سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين ، القدماء أو المتأخرين يقولون : ماهي الأدات والطريق الأساسي الذي نستطيع من خلاله الوصول إلى الحقيقة ؟
منهم من قال : العقل .
ومنهم من قال : التجربة ، يعني الحس والأدوات الحسية ، وبالعقل لا نستطيع أن نصل إلى شيء .
إذن عندنا مذهبان أساسيان وهما :
المذهب العقلي ، والمذهب التجريبي .
والمذهب يعني الطريق فمثلاً : ذهب ذهاباً أو مذهباً : أي طريقاً ( سلك طريقاً ) فهو حتى يصل إلى الحقيقة يتبع مجموعة من القواعد يجعلها كالطريق ليصل من خلالها إلى الحقيقة .
فإذاً عندنا مذهبان أساسيان .
فالمذهب العقلي ويعني :
أن كل حقيقة تصل إلى الإنسان لابد أن تكون عن طريق العقل .
هذا المذهب يعتمد على التصور والتصديق ، الضروري والنظري ( راجع كتاب المنطق للعلامة محمد رضا المظفر "قدس سره") .
إشكالنا في هذا المذهب في القضايا التصديقية ، من أين نأتي بالآحكام هذه قضية صادقة وهذه كاذبة ؟
يقول العلماء و الفلاسفة : لما نقول أن الحديد يتمدد بالحرارة ، هذه خبر كيف نصدّقه ؟
هذا هو الإشكال في هذا المذهب . فأصحاب هذا المذهب يقولون عن طريق العقل .
ـ طبعاً نظربة المعرفة نظرية واسعة ، وكتب فيها مئات الكتب بل آلاف الكتب ، ونحن نذكرها بشكل موجز جداً ، ومن أراد الإطلاع فعليه بكتاب
" فلسفتنا " للشهيد الصدر وكتاب " نظرية المعرفة " للسبحاني وغيرهما من الكتب ـ .
فيهمنا في المذهب العقلي ، الضروري والنظري ، فهذا المذهب يقول : أن هناك معلومات بديهية ومعلومات نظرية تعتمد على البديهة ، مثل النار حارة ، و(1+1=2) .
النظري : مثلاً أقول لك : نيويورك كبيرة ، نيويورك جميلة ، فأنت لا تستطيع أن تصدق حتى ترى .
فهذه قضايا تصديقية ، فالأساس في هذا العلم يعتمد على القضايا الضرورية التي هي البديهية .
فالقضايا الضرورية كالقانون الكلي ، ونحن نطبقها على القضايا النظرية كي نحصل على نتيجة في هذا المذهب ، وإن المذهب العقلي يسير من العام إلى الخاص ، يعني من القانون الكلي إلى الجزئي الذي يطبق عليه القانون الكلي [9] .
ثانياً : أن المذهب العقلي لاينكر التجربة ولكنه يقو ل: أنها ليست المصدر الوحيد للمعلومات (للمعرفة ) هذا المذهب يؤمن به جميع المسلمين وبالذات الفقهاء والمجتهدين ، ومن ضمنهم الشيخ الأوحد ( رضوان الله عليه ) يقول الشيخ ›‹ ((ولو كان العقل يستقل في إدراك شيء من الاعتقادات بدون أنوارهم صلى الله عليهم لاهتدى هؤلاء )) [10] أي المذهب العقلي ليس كافياً في استكشاف الحقيقة – كما شرحنا في دروس حياة النفس – يعني العقل يمكن أن يصل إلى المعلومات ولكن ليس كل المعلومات ، أي العقل لا يدرك ما فوقه ، ولا يدرك الله وصفاته ، نعم .. يدرك أن الله موجود عن طريق الأثر والمؤثر ولكن لا يستطيع أن يصف الله عز وجل ولايذكر صفات الجنة والنار ، فكلها تعتمد على النصوص الشرعية.
فالعقل بما هو عقل غير قادر على كشف كل الحقائق – هذا برأي الشيخ الأوحد (قد سره ) – بل لا بد أن يرجع للمعصوم (ع) .
الفقهاء يقولون : أن العقل عاجز عن التشريع ، فهو أعجز عن استنباط الحكم العقائدي في منظور الشيخ أحمد بن زين الدين [11] .
أما المذهب التجريبي خلاصته :
إن كل المعارف البشرية لايمكن أن نأخذها إلا عن طريق التجربة ، فلو أخذنا شيئاً نجرب عليه في المختبر وعن طريق الملاحظة والمقارنة ، والتفسير، نصل للحقيقة ، أو عن طريق الاستقراء التام ، أي : نذهب إلى الغابات ونرى التمساح في المستنقعات نراقبه حتى نستنقش صفاته الأساسية .
فالتجربة تسير من الخاص إلى العام ، عكس المذهب العقلي الذي يسير من العام إلى الخاص ،فالتجريبيون يقولون : نحن ليس عندنا قوانين كليه مسبقة ، كل حقيقة قبل التجربة خاضعة للتجربة ، حتى نصل إلى الحقيقة ، لابد أن نرى الموضوع المبحوث ونجرب عليه حتى نستكشفه ، نرى الإنسان ونجرب عليه حتى نستنتج له دواء .
فالمذهب التجريبي يرفض أي حقائق مسبقة ، أي ضرورية .
ثانياً : يسير من الخاص إلى العام ، يعني من الجزء إلى الكل ، يعني يبحث في الجزئيات حتى يستنتج قانوناً ، وليس العكس .
ثالثاً : المذهب التجريبي : يرفض المذهب العقلي إطلاقاً جملة وتفصيلاً .
الآن عندنا ثلاث نقود على المذهب التجريبي ونختم الحلقة الأولى :
أولاً : المذهب التجريبي يقول : أن التجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة ، وهذا قانون ، فهذا القانون متى اكتشفته .. قبل أن تجرب ، فهذا باطل لأنه لا قانون قبل التجربة وفق مذهبكم ، أو في أثناء التجربة ، فعلى أي قانون حكمت أنها القانون الوحيد ، وإن كان بعد التجربة ، فأي قانون أوصلك إنها القانون الوحيد.
فنلاحظ حتى تصح التجربة لابدّ من قانون مسبق ترجع إليه ، فهنا المذهب التجريبي آمن بما أنكر ، وهي المعرفة المسبقة [12] .
(مثال تجربة الغاز) إذا زاد الضغط قل حجم الغاز وإذا قل الضغط ازداد حجم الغاز.
كيف تعرف أيها المجرب صحة التجربة بدون قانون كلي مسبق ترجع فيه نتيجة التجربة السابقة ، أهي صحيحة أم خاطئة وتفسرها به ؟ وهو قانون العلية.
إنّ الضغط علة والغاز معلول ، وإذا جاءت العلة (الضغط ) قل حجم الغاز ، وإذا ضعفت العلة زاد حجم الغاز .
ثانياً : أن التجربة تبحث في ظاهر المادة وليس في باطنها وحقيقتها ، أي كيف أعرف الزهرة ، أو الوردة ، إلا إذا شممتها ، أو لمستها ، أو رأيتها بعيني ، أوسمعت صوتها وهي تتحرك ، فالتجربة هذه أدواتها وهي الحواس ، فأنا لا أستطيع بالتجربة إلا أن أعرف ظاهر المادة ، وليس باطنها وجوهرها .
ثالثاً : نفس السؤال وهو في أساس المسألة ، هل التجربة شاملةلكل شيء ، أم غير شاملة ، يعني نقول : هل كل الحقائق تدخل تحت التجربة ؟
حتماً ، لا .
لو حصرنا كل حقيقة داخلة تحت التجربة ، لأنكرنا وجود الله وأنكرنا وجود الكهرباء وأنكرنا وجود الجاذبية وأنكرنا أموراً كثيرة لأنها خارجة عن إطار التجربة .
ونستطيع أن نثبت ذلك بكل سهولة .
فالماديون أنفسهم يؤمنون بأن هناك كهرباء ، أين الكهرباء ؟
أين الجاذبية الأرضية ؟ من الذي رآها .
لايعرفون .
فهم على هذا الأساس أنكروا وجود الله لأنه لايقع تحت أدوات مخبرهم .
وهذا بديهي البطلان إذ ليس كل شي داخل في إطار التجربة .
وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين . ( 6/ 4 / 1421 هـ )
ا [1] اعتمدنا هذه الفقرة بشكل أساسي وبتصرف
على : إبراهيم ، فؤاد ، الفقيه والدولة ، ط1 ، 1998 ، دار الكنوز
الأدبية ، بيروت ، ص10 .
|