الأسلوب النقدي الفلسفي عند الشيخ الأحسائي
بقلم الشيخ / سعيد محمد القريشي
saeed@alahsai.net

تطلق كلمة أسلوب في الأدب على الطريق إذا امتدت على استقامة واحدة . فأي طريق ممتد هو أسلوب ، كما يشير " الزبيدي " في (تاج العروس ) و يقول " الزمخشري " في ( أساس البلاغة): سلكت أسلوب فلان أي ( طريقته) .

ويقول المفكر " جورج بوفن " : ( ليس الأسلوب إلاّ النظام و الحركة اللذين يضع المرء فكره في إطارهما ، فإذا ما قيدهما وضيقهما ، فسوف يكون الأسلوب مغلقا ، متوتراً ، مقتضباًً، وإذا ما تركهما تتوالى حركتهما في هدوء، و لا يلحق بهما إلاّ ما كان وثيق الصلة من الكلمات أيّاً كانت أناقتها ، فسوف يكون الأسلوب منبعثاً سهلاً ومسترسلا ... إن الأسلوب هو الرجل ذاته ) [1].

و إذا تساءل البعض لماذا هذا الشيوع للشيخ في عصره حتى أن الشاه قلده ؟ السبب بسيط وهو أن الشيخ كان واقفاً على رأس الفلسفة العربية و الإسلامية ، كان مشعل العقل في يد ، و معول النقد في اليد الأخرى .

و خلافاً لكل من صنفوه أنه إخباري ، كان فكره انتصاراً للعقل وثورة حقيقية على من يدعون العقل و العقلانية في الفلسفة في إطار التوفيق بين (العقل و النقل) .

و إذا كان لا بدّ من تصنيف الفيلسوف الأحسائي ، نقول : إنه فيلسوف العقل و العقلانية من خلال الكتاب والسنة.

ربما متسائل يقول : هل عقلانية الأحسائي غير عقلانية من يدعون العقلانية كابن رشد ، نقول : نعم .

فعقلانية بن رشد في مجال الفلسفة تتميز بميزة العمل المستقل للعقل ثم عملية اللصق مع الشريعة ( النقل)، أي محاولة التوفيق ونزع الافتراق بينه وبين الفقهاء. أما الأحسائي يقول : " ولو كان العقل يستقل في إدراك شي من الاعتقادات بدون أنوارهم صلى الله عليهم لاهتدى هؤلاء[2] " .أي لا يمكن عمل العقل خارج إطار النص.

وهو إذ ينقد فيلسوفاً ، إنما ليوضح نقطتين :
الأولى : إن هذا الفيلسوف قد حاد في هذه المسألة عن الصواب يقول الأحسائي : (( واعلم أيها الناظر في كلامي أني أعتقد أني إذا قلت قولا فإني أملي على كاتبين لا يغادران صغيرة ولا كبيرة فلا تتوهم على أن بيني وبين المصنف شيئاً من عداوة أو حقد أو حسد أو تكبر أو شيءٍ حداني إلى الرد عليه غير بيان الحق ... [3] )) .
الثانية : إن له فكراً مغايراً لغيره ، إذ ليست المدرسة الفلسفية إلاّ الاستقلال التام في النهج و المضمون .

من هنا نجد أن فيلسوفنا قد تمسك بالعقل فوق كل شيء و لكن العقل خلال (النص) على الخلاف من الذين وفقوا بين (النص و العقل ) .

و إذا كان الفكر الفلسفي يؤيد اتجاه ابن رشد في العقلانية ، نقول : الأحسائي جاء ليطرح طريقة جديدة في التذوق الفلسفي الحكمي استنبطه من القرآن و السنة وهذا ليس حاكمية من الكتاب و السنة على الفكر الفلسفي أحادي الجانب . بل جعل المشرب الحقيقي للحكمة اليقينية ، هو القرآن و السنة. وغيرهما إصابته للواقع قليل والباقي ما هو إلاّ وهم فيلسوف، كما أوضحنا ذلك في دراستنا ( حكمة إسلامية لا فلسفة يونانية ) .

وهو بهذا التذوق النقدي للنصوص الحكمية و الفلسفية إنما يعني التجديد و الحركة في فكر الأحسائي .

وبهذا نهدم المقولة التي تقول : إن ابن رشد واقف على قمة الفلسفة العربية و الإسلامية و لم يأتِ أحدٌ بعده ، ففيلسوفنا وقف على وقفة ابن رشد وجددها بشكل متميز في الفكر الإسلامي . فكل شروط الفكر الفلسفي وجدت في فكر الأحسائي :

1) عدم التقليد .
2) الحركة .
3) عدم الجمود .
4) التجديد الدائم .

أركان الأسلوب النقدي عند الشيخ الأحسائي:

تميز الأحسائي بأسلوب ذي أركان اختلف فيه عن غيره ممن درسوا الفلسفة اليونانية ، لينطلق منها لتمييز النص السليم منه عن القبيح على النحو التالي:

(أولا ً): الانطلاق من الكليات إلى الجزئيات فيما تأكد عنده سلامة هذه (الكلية) من محكمات الكتاب والسنة الشريفة والعقل الموافق لهما، فنجد كتطبيق لهذه القضية صفات الواجب..حيث اعتمد قاعدة (كل مالا يجوز سلبها عن ذات واجب الوجود ولا وصفها بالضد فهي صفة ذاتية ) [4]هذه قاعدة استنبطها من القرآن والسنة والعقل المؤكد لهذه الحقيقة .

شرح المثال:
رأى الأحسائي أن القرآن ميز بشكل واضح بين الصفات الذاتية للواجب والفعلية، فكيف يقع هؤلاء المتكلمون في هذا الشطط الكبير في قضية الصفات، لاحظ الأحسائي أن القرآن الكريم عندما يتحدث عن الصفات الذاتية لا يعود وينفيها مرة أخرى، فإذا تحدث عن القدرة لا ينفيها، فيثبت عكسها، كأن يقول: قدر الله ولم يقدر، على العكس من صفة الإرادة فعندما يتحدث عنها، يعود وينفيها بشكل طبيعي، كما قال: (( إنما يريد الله أن يمن على الذين استضعفوا في الأرض..)) ويأتي بنفي للإرادة في آية أخرى، كما قال: (( لم يرد الله أن يطهر قلوبكم ...)).

(ثانياً): السير من الجزئيات إلى صنع (كلية) يمكن تطبيقها ضمن منهجه النقدي وهذا يدل على الثروة المتزايدة في منهجه دون انقطاع على عكس من اكتفى بالمورث اليوناني الجامد، ولعله أبرز من استفاد من هذه النقطة تلميذه السيد كاظم الرشتي، حيث فصّل بعده بشكل مذهل النصوص الفلسفية وكذلك الاستفادة من الكتاب والسنة..لذلك نجد شيخنا الأحسائي لم يرفض الكثير من النصوص المرسلة..لأنه وظّفها من خلال منهجه النقدي، ولكن ليس بالاعتباطية التي رموه مخالفوه بها، بل على أساس علمي رصين . [5]

( ثالثاً): شمول نقده للشكل والمضمون :
من قرائتنا لكتابيه " شرح العرشية وشرح المشاعر" نجد أن نقده للنصوص الفلسفية نقداً شاملا ً لا يترك شيئاً، فهو عندما ينقد، ينقد اللفظ ومعناه ولا يغريه النص مهما كان جميلاً ، بل يشرّحه، كما يشرّح الجراح الجثة..من هنا كان هجومه على الفلاسفة تارة يكون على اللفظ فقط . وتارة على مدلول النص ونجد التطبيق في هاتين القضيتين مجتمعين في نقده (للمعقولات الخمسة) . وإليك شرح المثال:
أثبت في الفلسفة قبل الشيخ الأحسائي أن كل ما يعقله الذهن البشري محصوراً في خمسة أشياء يصطلح عليها ( المعقولات الخمسة ) كالتالي :

  1. واجب الوجود لذاته .
  2. ممتنع الوجود لذاته .
  3. ممكن الوجود لذاته .
  4. واجب الوجود لغيره .
  5. ممتنع الوجود لغيره .

فيلسوفنا يعترف اعترافا تاماً بالأول ( واجب الوجود لذاته ) بينما يرفض الثاني رفضا تاماً واقعاً وافتراضا .. لأنه ينافي التوحيد الحقيقي لله سبحانه وتعالى ، وأما الثالث ( ممكن الوجود لذاته ) فالشيخ يعترف به و لكن يتساءل في كلمة ( لذاته ) هل تعني أن إمكانية الممكن من ذاته أم من غيره ، فإن كانت من غيره ، أي الله ، فالمفروض أن تكون الصياغة الحكميّة ( ممكن الوجود لغيره )، أي الله .

أما إن كانت إمكانية الممكن من ذاته ، أي ليست من غيره ( الله ) فكلامكم صحيح ، ولكنّه ينافي التوحيد.

أما الرابع و الخامس فكلاهما عند شيخنا صحيحان و لكن لا يصحان أن يكونا قسمين للممكن .. لأنهما من أقسام الممكن و الشيء لا يكون قسيماً لنفسه. [6]

(رابعا): التطابق بين القضية الذهنية والخارجية والحقيقية :
من المهم جداً أن نعرف أن الأحسائي في جل نقوداته يلاحظ التطابق بين القضية الذهنية والخارجية والحقيقية، من هنا لا يمكن الفصل عنده بين واحدة وأخرى في منهجه النقدي، فنلاحظ مثلا عندما نقد الأحسائي التعريف المشهور للحادث [7] ( الحادث هو المسبوق بالعدم ) نقده بملاحظة عدم انطباق هذا التعريف على الحادث لا في الواقع و لا في الذهن و كذلك في الحقيقة .
من هنا رفض هذا التعريف لكونه قاصراً عن وصف حال الوجود الحادث .

شرح المثال:
يوجه فيلسوفنا سؤاله بهذا الشكل، هذا العدم السابق على الحادث قديم، أم حادث مثله، فإن كان حادثا مثله، فهو محتاج إلى عدم آخر يسبقه، وهكذا فيتسلسل، والتسلسل منافٍ للمنطق والعقل، إذاً هو باطل. وإن كان هذا العدم السابق قديماً، فهو باطل..لأنه يلزم تعدد القدماء، وهو منافٍ للتوحيد. أي يرى الأحسائي أن الفلاسفة المسلمين، قد أخذوا مسألة العدم من اليونان بدون تمحيص عقلي، فالعدم عندهم فضاء مظلم خلقت منه الأشياء، ولم يسألوا أنفسهم مرة من خلق العدم، فإن أقروا أن العدم مخلوق بطل تعريفهم، وإن قالوا بقدم العدم لزمهم إثبات قديم مع الله، فالعدم مخلوق من مخلوقات الله، كما بين الأحسائي في كتبه. إذن الفلاسفة المسلمون عرفوا الحادث نظرياً بقطع النظر عن واقعه، على العكس من الأحسائي الذي راعى الجانب اللفظي والواقعي، وهذا عين دليل الحكمة عنده، فراجع كتبه.

بناءً على ما تقدم قسم شيخنا الوجود باصطلاح الكتاب والسنة إلى ثلاثة أقسام [8]:

1) الكتاب التدويني : وهو القرآن والسنة الصحيحة اللذان يحملان أسرار الوجود والجمال الكوني مكتوباً .
2) الكتاب التكويني : ويقصد به الواقع الخارجي والجمال المشاهد، الذي يمكن رؤية جماله حتى بالعين المجردة دون الخطأ فيه .
3) الكتاب الأنفسي : ويقصد به أنفس الخلائق، الله لما خلقها خزن فيها صورة الجمال الكوني والجمال التدويني وهذا إشارة إلى الحديث المشهور :« من عرف نفسه فقد عرف ربه» .

وهذه الكتب الثلاثة متطابقة ليس فيها تناقض على أي نحو من الأنحاء، فما عليك أيها الحكيم سوى رؤية الجمال والشمس واضحة لذي عينين .[9

التفسير الحالي والمقالي :

نعود مرة أخرى إلى الاصطلاحات السابقة ولكن من حيث التفسيرية للوجود الكوني أو القرآني ، فبرز لنا شيخنا اصطلاحين جديدين :

1) التفسير الحالي :

رأى الأحسائي آيات الوجود الكوني على أنها كلمات وحروف وجمل إذا استطاع الحكيم ترتيبها يمكن له أن يقرأ الصورة الكونية الجميلة والوصول للحقيقة التي سأل عنها كميل بن زياد أمير المؤمنين ع)) . في سؤاله ( ما الحقيقة ...... ؟ ) . فالسماء حرف أو كلمة والأرض حرف أو كلمة والسماء والأرض والبحر جملة مفيدة تعطي صورة كاملة عن الحقيقة .

2) التفسير المقالي :

إن قراءة القرآن تعني قراءة الوجود بأكمله ، فكل ما في الوجود موجود في القرآن وكل ما في القرآن في الفاتحة وكل ما في الفاتحة في البسملة والكل في الباء .

إذن ما في العالم الأكبر موجود في العالم الأصغر وفي الكتاب والسنة والحكيم عليه الاختيار في تفسيره للجمال والوصول إليه ، إما من قراءة الوجود الكوني أو الوجود القرآني أو منهما معاً . فهناك تطابق في الصورة الجمالية بين العالمين والنتيجة واحدة من التفسيرين إذا سلك المنهج .

الحكمة هي الجمال :

الحكمة هي النظام = المقولة : الجمال هو النظام ، إذن الجمال هو الحكمة .

فالتناسق المحكم في الواقع الخارجي ما هو إلاّ الحكمة الإلهية التي وضعت كل شيء في موضعه الطبيعي ، المعبر عنه بالعدل الإلهي ، وحداً بحد ، الجمال موجود بالنص الحكمي المعبر عن حقيقة الوجود الكوني الجمالي . فكلما كان النص قريباً من الواقع كان النص حكيماً، وكلما كان حكيماً كان جميلاً، وكلما كان النص بعيداً مغرغاً في الخيال كان قبيحاً، ونصاً فلسفياً بعيداً عن الحكمة . من هنا استطاع السيد كاظم الرشتي إعادة تجميع الجمال الخارجي في هذا الجمال النصي الحكمي حيث يقول : « الحمد لله الذي طرز ديباج الكينونة بسر البينونة بطراز النقطة البارز عنها الهاء بالألف بلا إشباع ولا انشقاق ودارت بأركانها على نفسها فبرزت ديباجة عنوان الأزل فلاح عنها الطراز الأول باستنطاق الكاف بإتلاف ووفاق وتثنت فتكعبت وتذوتت فتم بها نظم الكلمة التي هي الأصل في الاشتقاق ومر اثنتان فعززنا بثالث الأصل وأربعة الفرع فنبت فكانت مطلع قصايد ديوان الكون بظهور لا إله إلاّ الله عند الإنشاد والاستناق فانتظمت وانتشرت واختلفت وائتلفت واجتمعت وتفرقت واجملت وتفصلت فملأت بها الآفاق »

إذن كل نص حكمي مبدع يوافق الحقيقة ، إنما هو إعادة تجميع للواقع الحقيقي أو تصوير فوتوغرافي له .

هل نستطيع استنباط حاسة تذوق حكمي في منهج الأحسائي النقدي ؟

قبل البدء نريد أن نورد تعريف كانط كنموذج لتعريف الذوق وقد لخصوا تعريف " كانط " للذوق ـ وهو برأينا من أكمل التعاريف نضجاًـ في هذه الكلمات : « الذوق هو ملكة الحكم على موضوع ما أو أسلوب من أساليب التمثيل الداخلي لهذا الموضوع من خلال الشعور الكلي المتنزه عن الغرض والخاص بالارتياح أو عدم الارتياح وموضوع مثل هذا الارتياح ـ أو الإتباع ـ هو ما يسمى بـ ( الجميل ) »

وقبل صياغة تعريف الذوق عند الأحسائي نقول : إن استقراءنا لكتبه جعلنا نرى بوضوح حاسة الذوق عنده في كل النصوص الفلسفية التي انتقدها أو النصوص القرآنية التي فسرها وأخرج آراءه الحكمية منها .

ومن جهة أخرى كان كثيراً ما يعبر ضد بعض الفلاسفة بهذه الجملة ( لا يشم منه رائحة روايات أهل البيت (ع) ) من هنا ندرك إنه كان يعي تمام الوعي عن ما يسمى ( ذوق ) أو ( حاسة شم ) .

بناءً على هذا نستطيع أن نوجز شروط التذوق الحكمي عنده كالتالي [10]:

  1. ترك القواعد التي أنس بها من قبل وعلى الأخص الموروث اليوناني .
  2. عدم تأويل القرآن إلى غير ظاهره ، أي لوي ظاهر القرآن بما يوافق اعتقادهم وقواعدهم حتى لو كانت باطلة ، كما فعلوا في قضية الإرادة .
  3. خضوع الحكيم أمام الكتاب والسنة خضوع التلميذ للأستاذ وليس العكس .
  4. مراعاة محكمات القرآن حين نقد الجزيئات أو شرحها ، أي لا يمكن رفض جزئية إلاّ من خلال وضعها في السياق العام لروح القرآن والسنة الصحيحة .
  5. مراعاة كون النص الفلسفي موافق للواقع الخارجي والحقيقي .

إذن من خلال هذه القواعد يمكن صياغة تعريف التذوق الحكمي عند الأحسائي ، فنقول : ( الذوق الحكمي هو ملكة الحكم على النص الفلسفي أو شرح النص القرآني من داخله أو من خارجه أو من حقيقته على جهة تطابق الروح القرآنية الكلية وسيرة العقلاء المستنبطة منها والواقع الخارجي والحقيقي بحيث يزيح هذا النقد والتذوق الغموض ويورث الاطمئنان النفسي الحاصل من الحقيقة )

منهجه النقدي ونهجه في التأول:

هناك صلة وثيقة بين النقد والتأول عند الأحسائي تتجلى في أسلوب معالجته للقضايا الفلسفية المشكلة، فعندما يتناول موضوعاً بالنقد والتحليل، لا يتم هذا النقد إلا في إطار التأول السليم عندما يكون هذا الموضوع يقبل التأول كي يكون موافقاً للصورة المتناسقة المستنبطة من الكتاب والسنة. فينطلق النقد في كثير من القضايا من التأول الناشز للنصوص القرآنية والروايات. فمن هنا يأتي نقد الأسس المغلوطة التي قامت عليها الفكرة الفلسفية، ثم منها إلى التأول المؤسس على هذه الفكرة الفلسفية الخاطئة. مثلاً الذين أولوا الكمال الإنساني الوارد في نصوص أهل البيت على أنه يصب في مصلحة نظرية وحدة الوجود. يكون تأولهم صحيحاً لو سلمنا بنظرية وحدة الوجود، إما في حال هدمنا لوحدة الوجود وأساساتها الفلسفية، يكون تأولهم ناشزاً عن الصورة الكلية للتوحيد السليم, والجمال النصي القرآني.

جذور المنهج النقدي عند الأحسائي:

لو حاولنا البحث عن جذور هذا المنهج، لوجدنا أن الشيخ الأحسائي، وكما كتب في سيرته بقلمه أنه كان يتأمل الأشياء، يحاول الربط بين ماضيها وحاضرها، كيف كانت، وكيف آلت إليه. كيف كان يقف على قبر "عريعر" متأملاً مصيره، فكل هذه تنم عن روحه النقدية. لكننا من ناحية حكميّة نستطيع تتبع جذور منهجه بوضوح، عندما نقرأ كتابيه " شرح العرشية " و"شرح المشاعر"، فنجد أن أسباب قيام منهجه وتكامله، الأسباب التالية:

  1. بروز فلسفات شيعية كان يعتقد تمام الاعتقاد، أنها لا تواكب منهج أهل البيت عليهم السلام، ولو جزئياً.
  2. دخول الكثير من الأفكار الغريبة عن الإسلام وامتزاجها به على أنها إسلامية صرفة.
  3. إلحاح الكثير من الروايات عندما تقرأها بتباينها الصريح عن تلك الفلسفات.
  4. ابتعاد الكثير من المتكلمين عن القرآن والسنة بشكل صريح أو غير صريح.

الشيخ الأحسائي والمتكلمين:

لم يرضَ الأحسائي عن المتكلمين بسبب كونهم لم يتفقوا على طريق واحد في مشاربهم واختلافهم الصريح في مناهجهم وابتعادهم عن القرآن والسنة. يقول الأحسائي في "شرح الفوائد":

(( وذلك لشدة تحقيقاتهم وكثرة إيراداتهم للإشكالات واثباتهم للاعتراضات حتى لا تكاد تجد شخصين متوافقين وذلك لاختلاف أفها مهم وأنظارهم وتغاير مذاقا تهم واعتباراتهم والسبب في ذلك انهم يقولون الاعتقادات أمور عقلية لا يجوز التقليد فيها ))[11]

الشيخ الأحسائي وابن عربي :

لم يؤيد الأحسائي الطريقة الصوفية ولا الفلسفة الصوفية جملة وتفصيلاً، فهو يرى أنها أدخلت الدين في متاهات، بل الموت الحقيقي، فكثيراً ما يسمي ابن عربي (بمميت الدين) كناية عن موت فلسفته ودورها في إدخال الدين في متاهات وأنفاق العرفان الزائف والعارف الزائف ـ هذا لا يعني كون الأحسائي ينكر حقيقة العرفان، بل على العكس يؤمن به تمام الإيمان، ولكن العرفان المأخوذ من روايات أهل البيت، عليهم السلام ـ والتأولات التي جعلت الدين سلعة رخيصة في يد كل مَن أدى العرفان ودخل مرحلة الفناء والصعق. والشيخ الأحسائي انتقد أفكار الصوفية أيّما انتقاد في كل كتاباته التي تعرض فيها للصوفية وعلى رأسهم محي الدين بن عربي.

الشيخ وصدر المتألهين:

صدر المتألهين، هو أبرز من انتقدهم الأحسائي، كونه يمثل قمة الهرم الفلسفي الشيعي في عصره، فقد قام الأحسائي بعملية تشريحية لكتابيه " المشاعر والعرشية" بشكل كامل في جميع نواحيه الأسلوبية والفلسفية. وأكثر ما أخذ عليه خروجه عن مذهب أهل البيت رغم ادعائه إتباع مذهبم في الحكمة، وإيمانه بنظرية وحدة الوجود الصوفية. والاشتراك اللفظي والمعنوي للوجود. وهو إذ ينقد ملا صدرا، لا ينقده لمجرد نقد فيلسوف لفيلسوف، بل لبيان الأخطاء التي وقع فيها. يقول الأحسائي عن صدر المتألهين:
(( وقد نبهت على كثير من بطلان دعواه هناك في شرحنا على المشاعر، وربما نذكر هنا شيئاً يظهر للناظر فيه بطلان هذه الدعوى في كثير من كلامه, وأنه ما خرج عن طريقة الباحثين والمعلمين إلاّ في بعض المواضع، فإنه خرج عن بعض كلامهم إلى أسوأ مما قالوا، وأقبح مما ذكروا، وإن كان قولهم أكثره لا يجري على قواعد الدين، ولا ينطبق على سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله أجمعين. وذلك لأن دعواه أنه لا يقول إلاّ بقول محمد وأهل بيته الطاهرين صلى الله عليه وآله الطيبين، ولو كان الأمر، كما قال، لما ذهب إلى أن الخلق من الله سبحانه وهذا المذهب عند أهل البيت عليهم السلام كفر وزندقة، ولما قال بسيط الحقيقة كل الأشياء, ومعطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته لا في ملكه، وأمثال ذلك، مما ينكرونه ويبرءون منه، وممن ذهب إليه[12])).

خاتمة البحث:

يمكن القول في خاتمة هذا البحث إن الشيخ الأحسائي تميز بأسلوب نقدي جديد تفرد به إلى حد كبير أعتمد فيه على الروح القرآنية والسنة الشريفة والعقل المستند إليهما.


ا[1] عبد الحميد ، شاكر ، التفضيل الجمالي ، ط1 ،2001 م ، الكويت ، عالم المعرفة ، العدد ( 267 ) ، ص 54 .
ا[2]الشيخ أحمد بن زين الدين، شرح الزيارة الجامعة، ط1، مطبعة السعادة، كرمان ،(د،ت،ن)،ص219 ج3 .
ا[3] بن زين الدين ، أحمد ، شرح العرشية ، ط1 ، 1361هـ ، مطبعة السعادة ، كرمان ، ص18 ج1 .
ا[4] الأحسائي ، أحمد بن زين الدين ، حياة النفس في حضرة القدس ، ط2 ، 2000 م ، بيروت ، ص115 .
ا[5] راجع : الرشتي ، السيد كاظم ، ضرح الخطبة التطنجية ، ط1 ، 2001 ، جامع الإمام الصادق b ، الكويت ، ص 25-33 ج1 .
ا[6] الحائي ، ميرزا موسى ، إحقاق الحق ، ط2 ، 1965م ، مطبعة النعمان ، النجف الأشرف ، ص495 .
ا[7] مرجع سبق ذكره ، إحقاق الحق ، ص501 .
ا[8] يمكن أن نقول : الكتاب التدويني وغيره باصطلاح الكتابة ، ويمكن أن نقول : الوجود التكويني والوجود التدويني ... وهكذا . وهنا ملاحظة مهمة ، وهو أن الشيخ الأحسائي له تقسيمات عديدة للوجود باعتبارات مختلفة ، ولكن نقلنا هنا ما يناسب بحثنا .
ا[9] مرجع سبق ذكره ، شرح العرشية ، ص75 ج3 .
ا[10] الأحسائي ، أحمد بن زين الدين ، شرح المشاعر ، ط1 ، مطبعة السعادة ، كرمان ، ص4 .
ا[11] بن زين الدين ، الشيخ أحمد ، شرح الفوائد ، الطبعة الحجرية ، ص2 .
ا[12] الأحسائي، أحمد بن زين الدين، شرح العرشية، ط1، 1361 هـ، مطبعة السعادة، كرمان، ص9ج1 .


القرآن الكريم   -   السنة المطهرة   -   الحكمة   -   الفقه وأصوله  -   الأخلاق  -   الأدب  -   أشياء أخرى
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي - تصميم وتطوير تصميم وتطوير بيان ميديا