منابع المعرفة عند الشيخ الأحسائي
( البحث الأول )
بقلم الشيخ / عبدالمنعم العمران

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين وبعد .

لقد اهتمت الحضارة الإسلامية بجميع شئون الحياة ، وما فيه تقدم وتطور الإنسان ، ومن جملتها العلم بجميع أنواعه قال الله تعالى : ) يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير ( [1] وقال تعالى : )قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ( [2] ، وقال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله : " أعلم الناس من جمع علم الناس إلى علمه ، وأكثر الناس قيمة أكثرهم علماً ، وأقل الناس قيمة أقلهم علماً " . [3] إلا أن الشريعة الإسلامية شددت على ثلاثة علوم ، وذلك أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله قال : " إنمـا العلم ثلاثة : آية محكمة ، أو فريضة عادلة ، أو سنة قائمة ، وما خلاهن فهو فضل " . [4]

حيث أنه صلى الله عليه وآله قدم كلامه الشريف بأداة حصر – إنما- فحصر العلم بالثلاثة ، أولها الآية المحكمة وهو علم أصول العقائد وثانيها الفريضة العادلة وهو علم الأخلاق ، وثالثها السنة القائمة وهو علم الفقه . [5]

وانطلاقاً من هذا اهتم المسلمون بالعلوم الثلاثة ، فكثر البحث فيها والتأليف ، ومن جملتهم الشيخ الأوحد الشيخ أحمد الأحسائي –قدس سره – حيث بحث فيها وفي غيرها إلا أنه اهتم بالأول – علم التوحيد – واشتهر به وبذلك قامت مدرسة حكمية جديدة تعتمد في بحوثها لمعرفة الشيء بما هو هو على ثلاثة طرق متعددة .

وبهذه العناصر والطرق توصلت إلى معرفة الشيء بما هو هو ، وبها تنوعت المصادر والمنابع بخلاف بعض المدارس الفلسفية حيث أنها اعتمدت على عنصر منها .

وفي هذا البحث سأحاول البحث عن العنصر الأول –النقل – تاركاً الباقي لبحوث أخرى –إنشاء الله تعالى – فعلى هذا أقول :

1. النقل .

يعتبر القرآن الكريم والسنة المطهرة من أعمدة الدين ، فكل شخص يريد أن يفهم الدين الإسلامي وأحكامه لابد له من أن يمر عليهما ويجعلهما دليلين يهتدي بهما ، وانطلاقاً من هذا الأمر اعتمد الشيخ الأحسائي في بحوثه عليهما وجعلهما وتد فلسفته وحكمته ، وسأتكلم عنهما من خلال أمور :

الأول : أهمية الكتاب والسنة :

أ. أهمية الكتاب الكريم .
عرفنا مما سبق أن للكتاب الكريم مكانة مرموقة جعلت منه حكماً وهادياً ، قال تعالى : ) إن هذا القرآن يهدي للتـي هي أقوم ( [6] .

وقال تعالى : ) قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ( [7] وقال تعالى : ) وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه ( [8] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " القرآن هدى من الضلالة ، وتبيان من العمى ، واستقالة من العثرة ، ونور من الظلمة ، وضياء من الأحزان ، وعصمة من الهلكة ، ورشد من الغواية ، وبيان من الفتن ، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة ، وفيه كمال دينكم " [9] .

من خلال هذه الأدلة نعرف أن القرآن الكريم هو الهادي إلى الطريق المستقيم وبه النجاة ، والنور الذي يستضاء به في ظلمة الجهل والحيرة ، فهو أحق بالإتباع ، وهو السائق إلى رضوان الله تعالى ، وإلى نور العلم واليقين .

ب. أهمية السنة المطهرة :
لا تقل السنة الشريفة مرتبة عن القرآن الكريم ، إذ أنها المبينة له ، بل والمقرونة به في حديث الثقلين –المتفق عليه عند المسلمين – الذي أمرنا فيه رسول الله صلى الله عليه وآله بالتمسك بهما ، حيث قال صلى الله عليه وآله : " إنـي تارك فيكم الثقلين فتمسكوا بهما ، فإنهما لن يفترقا حتـى يردا علي الحوض " . [10]

ويدل على مكانة السنة المطهرة – التـي تشمل قول المعصوم وفعله وتقريره – ووجوب الأخذ بها واللجوء إليها أدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة الشريفة ومنها :

قوله تعالى : )وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ( [11] .
وقوله تعالى : ) وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم . صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ( . [12]
وقوله تعالى : )فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( [13] .

وأما الأحاديث الدالة على وجوب التمسك والاقتداء بالسنة الشريفة كثيرة منها حديث الثقلين الذي كثر نقله واشتهر أمره .

ومنها قوله صلى الله عليه وآله : " إن مثل أهل بيتـي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك " [14] .

الثانـي : الكتاب والسنة عند الشيخ الأحسائي .

لم يكن الشيخ يحيد عن الرجوع إليهما والتمسك بهما بل غاص في بحارهما ، فانكب على الإطلاع عليهما فلقد حفظ القرآن الكريم وهو في الخامسة من عمره ، وأما السنة المطهرة فقد اشتهر بتبحره فيها وشهد له بذلك .

قال السيد الجابلقي : وكان مشغولاً بالتدريس ، ويدرس أصول الكافي والاستبصار [15] .

والكلام عن هذا الجانب وهذا العنصر يقع في نقاط :

  1. الكتاب والسنة حاكمان . إذا نظرنا إلى الأدلة التـي ذكرتها حول القرآن والسنة نخرج بأمور :
    • أنهما هدى .
    • أنهما يجب اتباعهما وبهما كمال الدين .
    • أنهما عصمة من الهلكة .

بناء على هذا نصل إلى نتيجة وهي : أن من توفرت فيه هذه الصفات أحق بالإتباع بل ويرفع إليه ما تخاصم فيه ، فهما المعلمان لكل متعلم ، وهما الحاكمان في كل أمر ، قال تعالى : ) فلا وربك لا يؤمنون حتـى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ( [16] .

وبناء على هذه النتيجة جعل الشيخ الأوحد من القرآن الكريم والسنة المطهرة أساساً له في مباحثه بل جعلهما معلمين له يتعلم منهما وحاكمين يرفع إليهما ما اختلف فيه وإليك قوله في هذا الأمر :

قال –قدس سره – في بداية شرح الفوائد : " فإذا ترك العناد والركون والأنس بالمسألة ، وعدم الالتفات إلى القواعد ، وإنما ينظر فيما يرد عليه من الكتاب والسنة وفيما أراه الله تعالى من آياته في الآفاق وفي نفسه بمحض فهمه وذكائه ، بحيث يكون متعلم من الكتاب والسنة وآيات الله سبحانه ، قابلاً منها مصدقاً لها فيكون تابعاً ولا يكون مأولاً من الكتاب والسنة وآية الله سبحانه على ما يلائم مراده وشهوته فيكون متبوعاً وهي تابعة له " . [17]

بنظرة سريعة نرى بوضوح أهمية الكتاب والسنة عند الشيخ – قدس سره – في مسألة العلم واليقين حيث نراه يشترط أمور قبل الاستفادة منهما - سيأتـي الكلام عنها في النقطة القادمة - وتطبيقها يوصل المباحث مقام التعلم من الكتاب والسنة ورتبة التابع لا المتبوع ، وهذا المقام هو أهم قواعد هذه المدرسة .

ب. شروط الإستفادة منهما :
نستطيع تقسيم الشروط إلى قسمين شروط عامة وشروط خاصة .

1.الشروط العامة :

هذه الشروط يمكن الاستفادة منها في العناصر الثلاثة – النقل والعقل والكشف – ولا تختص بواحد دون آخر ، مع أن الشيخ الأوحد –قدس سره – في شرح المشاعر اشترطها بخصوص فهم السنة ، حيث قال –قدس سره - : " لأنـي أريد أن تنظر في كلامهم بفهمك تاركاً للأحوال الثلاثة … " . [18] ، ولكن الشيخ قدس سره في شرح الفوائد جعلها أعم من ذلك ، حيث جعلها شروطاً للحكمة العلمية : [19] الفوائد . وهذه الشروط ثلاثة وقد ذكرها في شرحـي الفوائد والمشاعر [20] وسأنقل عبارته من شرح الفوائد وهـي :

  1. و شروط العلمية : يجمع قلبه على استماع المقصود والتوجه إليه ، من غير أن يرد العناد والرد ، لأنه لو استمع وهو يريد الرد والعناد كان مشتغلاً بغير ما هو بصدده فيتفرغ قلبه ولا يفهم المراد ) .
    وقد عبر عنه في شرح المشاعر بترك الاستنكاف عن الجهل والدعوة في مقابلة ما عرفه عقلك من الحق [21] .
  2. ( وأن لا تركن نفسه إلى ما آنست به فإن حب الشيء يعمـي ويصم ، حتـى أنه يصعب عليه مفارقة ما عنده ، وإن ظهر له كونه مرجوحاً فيتكلف في الجواب عما يخالفه ) .
  3. (وألا يعتمد على مجرد ما عنده من القواعد والضوابط ، فإن من اعتمد على ذلك غالباً لا يكاد يصيب الحق ، بل يرى كل ما يوافق قواعده صحيحاً وإن كان عند نفسه مرجوحاً ، فإذا التفت إلى مرجوحيته اغمض عنه اعتماداً على قواعده ، ويرى كل ما يخالفهما باطلاً ، وإن كان وجد في نفسه راجحيته أو حقيته اتكالاً على قواعده ، ولعل الغلط إنما هو في قواعده أما في أصل صحتها أو في عمومها ) . وخلاصة الكلام أن الالتزام بهذه التروك الثلاثة –ترك العناد والأنس بالمسألة والالتفات إلى القواعد – يوصل الباحث إلى مقام الاستفادة من القرآن الكريم والسنة المطهرة ، إلى مقام الاطمئنان فيما توصل إليه من نتائج ومعلومات .

2.الشروط الخاصة :

وأما الشروط التـي يمكن جعلها شروطاً خاصة بالنقل فهي ما يلـي :

1 . النهي عن تأويل خاص للكتاب والسنه الشريفين :

عدم تأويل الكتاب الكريم أو السنة المشرفة ، وصرفهما عن ظاهرهما ، إذ إن الكلام ذو وجوه ، فكل صاحب قاعدة وفكرة ينظر إليهما ويأخذ بغيته منهما ، كما هو الحال مع الفرق الإسلامية ، فقد ترى كل فرقة تقول بقول في مسألة ما ، وكل صاحب قول يستدل على صحة قوله بالقرآن الكريم [22] ، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين - عليه السلام - في وصيته لعبدالله بن عباس لما بعثه للاحتجاج مع الخوارج بقوله - عليه السلام - : ( لا تخاصمهم بالقرآن ، فإن القرآن حمال ذو وجوه ، تقول ويقولون ) . [23] وهذا لا يتناسب مع ما عرفنا سابقاً من كونهما نور الهدى وسفينة النجاة فلابد من معرفة سبب هذا التناقض ، هل هو منهما أم من بعض من يستدل له ؟

أما الاحتمال الأول وهو أن التناقض منهما فما لا يصير إليه مسلم ، بل هما أساس النظام وهما يصدق كل واحد منهما الآخر ، ويصدق كل واحد بعضه بعضا ، كما قال أمير المؤمنين - عليه السلام - [24] : ( وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضاً ، وأنه لا اختلاف فيه ، فقال سبحانه : )ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ( [25]

وأما الاحتمال الثانـي وهو أن التناقض ناتج من عدم كون المستدل بهما قد استدل بظاهرهما بل أول بما يوافق قواعده ، واستنبط معناً يوافق ما أنست به نفسه وركنت إليه .

وهذا النوع من الاستدلان هو في الحقيقة رد للكتاب والسنة الشريفين ، إذ أن الاستدلال بالمعنـى الذي يوافق قول المستدل وترك المعنـى الظاهر من الآية رد للمعنـى الحقيقي للآية الشريفة ، وهذا ما اصطلح عليه الشيخ الأحسائـي في مثل هذا الأمر حيث يقول :

(فإذا حقّقت ظني فيك لزمك أني إذا استدللت لك بشيء من أقوالهم أن تقبل ذلك ولا ترده بكلام حكيم غير معصوم وقولي ولا ترده مرادي منه ألا تأوّله على معنى ما يقوله الحكيم لأن تأويله ردّ لظاهره بظاهر كلام غيره فإن قلت بكلام الإمام عليه السلام ظاهر وباطن فيقبل كلامه - عليه السلام - التأويل يخلاف كلام الحكيم قلتُ لكلام الحكيم أيضاً ظاهر وباطن ولهذا اختلف نظر الإشراقيين مع نظر المشائين لأجل ذلك وهذا ظاهر عليه فلمَ أخذت بكلام الحكيم من دون تأويل ولم تأخذ كلام الإمام - عليه السلام - وهذا منك إما لأنك عرفت المطلب من دليل خارج فوجدت كلام الحكيم موافقاً فقبلته من غير تأويل وكلام الإمام - عليه السلام - مخالفاً فاحتجت إلى تأويله وإذا كنت كذلك فلا حاجة لك بالكلامين وإما لأن فطرتك مطابقة لفطرة الحكيم ومخالفة لفطرة الإمام - عليه السلام - ومن كان كذلك كان ممن قال الله تعالى ( إن الذين يلحدون في أسمائه ) على أنك إنما سُمّيتَ شيعياً لأنك خلقت من شعاعهم عليهم السلام أو لأنك مشايع لهم ولا يتحقق أحد الاشتقاقين إلا باتباعهم في كل شيء وترجيح كلامهم على كل أحد وبعدم الاعتماد على كل شيء لا يخرج منهم ويصدر عنهم … ) [26]

ولا تفهم من هذا الكلام أن الشيخ لا يجيز تأويل الكتاب والسنة بل الشيخ يمنع تأويلاً خاصاً ، إذ يمكننا أن نقول أن التأويل على نوعين :

تأويل يوافق ما هو موجود عند المؤول من قواعد وغيرها .
2. تأويل يوافق ظاهر الآية والرواية .

فالنوع الأول مرفوض عند الشيخ والثانـي مقبول عنده ، هذا بالإضافة إلى أن الشيخ الأحسائي –قدس سره – قد اشترط مع موافقة ظاهر الآية والرواية أمور سيأتـي الكلام عنها .

2.أن يكون المؤول ممن له يد طولى في العقائد من توحيد الله تعالى ومعرفة الصفات التـي تليق به والصفات التـي تسلب عنه تعالى وغير ذلك ، وفي هذا الأمر يقول الشيخ الأحسائي قدس سره :

(أن يكون الرجل المؤول بالقرآن أن يعرف نوع الاعتقاد في توحيد الله وصفاته وما يصح عليه ويمتنع عليه ونوع ما يصح به الاعتقاد في أفعاله وفي أوامره ونواهيه وفي مراداته من عباده ونوع الحكمة والصنع والتكاليف ونوع حكمة الإيجاد والقدر والبدأ والمنـزلة بين المنـزلتين وما أشبه ذلك ويعرف النبوة لمحمد صلى الله عليه وآله والإمامة لأهل بيته صلى الله عليه وآله ونبوة الأنبياء ووصاية الأوصياء عليهم السلام وأحوال التكاليف والموت والبرزخ وأحوال الآخرة ولو بالاطلاع على نوع علم المسألة فإذا وصل الشخص إلى هذه الرتبة بالعلم العيانـي القطعي الضروري جاز له ذلك أيضاً ) [27]

3.أن يكون المؤول ممن يعرف الناسخ والمنسوخ ، والخاص من العام ، والمحكم من المتشابه ، و المكي من المدنـي ، وبعبارة أخرى معرفة ما يتعلق بمعرفة وفهم معنـى القرآن والسنة المشرفين ، إذ لا يمكن للمؤول أن يستنتج ما يوافق المنسوخ أو ما يوافق المتشابه .

وفي هذا الأمر يقول الشيخ قدس سره :
( ولا يجوز تأويل القرآن إلا بالدليل القطعي ومن قال بغير ذلك فقد ضل سواء السبيل فإن القرآن أمره عظيم وخطره جسيم روى محمد بن إبراهيم بن جعفر النعمانـي في تفسيره بإسناده عن إسماعيل بن جابر جعفر سمعت أبا عبدالله - عليه السلام - جعفر بن محمد الصادق يقول :

إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله فختم به الأنبياء فلا نبـي بعده وأنـزل عليه كتاباً فختم به الكتب فلا كتاب بعده أحل فيه حلالاً وحرم حراماً فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة فيه شرعكم وخبر من قبلكم ومن بعدكم وجعله النبـي صلى الله عليه وآله علماً باقياً في أوصيائه فتركهم الناس وهم الشهداء على كل زمان وعدلوا عنهم ثم قتلوهم واتبعوا غيرهم وأخلصوا لهم الطاعة حتـى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر وطلب علومهم قال الله تعالى : ) فنسوا حظاً مما ذكر به ولا تزال تطلع على خائنة منهم [ وذلك أنهم ضربوا بعض القرآن ببعض واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه ما نسخ واحتجوا بالمتشابه وهم يظنون أنه المحكم وأحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام واحتجوا بأول الآية وتركوا السبب في تأويلها ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه ولم يعرفوا موارده ومصادره إذ لم يأخذوه عن أهله فضلوا وأضلوا وأعلموا رحمكم الله أنه من لم يعرف من كتاب الله عز وجل الناسخ من المنسوخ والخاص من العام والمحكم من المتشابه والرخص من العزائم والمكي والمدنـي وأسباب التنـزيل والمبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة والمؤلفة وما فيه من علم القضاء والقدر والتقدم والتأخر والمبين والعميق والظاهر والباطن والابتداء من الانتهاء والسؤال والجواب والقطع والوصل والمستثنـى منه والجار فيه والصفة لما قبل مما يدل على ما بعد والمؤكد منه والمفصل وعزائمه ورخصه ومواضع فرائضه وأحكامه ومعنـى حرامه وحلاله الذي هلك فيه الملحدون والموصل من الألفاظ والمحمول على ما قبله وعلى ما بعده فليس بعالم في القرآن ولا هو من أهله ، ومتـى ادعى معرفة هذا الاقسام مدع بغير دليل فهو كاذب مرتاب مفتر على الله الكذب ورسوله ، ومأواه جهنم وبئس المصير .

فتأمل رحمك الله ما في هذا الحديث لتعرف أن القول فيه عظيم لأن هذه الأمور التـي ذكرها أكثرها ما تعرف إلا بمعرفة مدلولها أو بتعريف من المريد من المخاطبين به ما أراد ) [28]

ولا تتوهم أن هذه الأمور مختصة بالقرآن الكريم ، وأما السنة المطهرة فلا يشملها ذلك ، لأنها الثقل الأصغر في حديث الثقلين ، فلا تفارقه في أي شيء ، فكما في القرآن الكريم ناسخ ومنسوخ فكذلك السنة فيها الناسخ والمنسوخ ، ومحكم ومتشابه .

قال أمير المؤمنين - عليه السلام - :
( فإن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله مثل القرآن ناسخ ومنسوخ ، وخاص وعام ، ومحكم ومتشابه ، وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام له وجهان ، وكلام عام وكلام خاص مثل القرآن ، وقد قال الله عز وجل في كتابه )ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( [29] فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنـى الله به ورسوله صلى الله عليه وآله ) [30] .

فخلاصة الكلام يجب على المؤول أن يكون ممن يعرف الناسخ من المنسوخ والمحكم والمتشابه و.. ، وهذا الأمر يعم الكتاب والسنة المطهرين ، وفائدة ذلك تجنب الوقوع في المهالك .

الخاتمة :

في هذه الخاتمة لا بأس أن أشير إلى مختصر ما توصلنا إليه : عرفنا في هذا البحث أن الشيخ الأوحد الأحسائـي قدس سره يعتمد في توصله في معرفة حقائق الأشياء على مناهل متعددة ، وتكلمنا عن النقل دون الباقي ، وعرفنا أن النقل يشمل الكتاب والسنة وأنهما لهما دوراً كبيراً وخطير في مدرسة الشيخ لأنهما المعلمان لكل متعلم والقاضيان في كل قضية .

وعرفنا أن لهما شروطاً، عامة وخاصة ؛ أما العامة فالاخلاص لله تعالى و ترك العناد ، وكذلك ترك الركون والأنس بالمسألة وأخيراً ترك الالتفات إلى القواعد التـي استفادهما من غيرهما .

وأما الشروط الخاصة فعدم تأويل الكتاب والسنة بما يخالف ظاهرهما ، وأن يكون ممن يعرف علوم القرآن الكريم والسنة الشريفة من ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه و.. ، ليكون التأويل أو ما يتسبب منهما موافقاً للناسخ وللمحكم .

وأن يكون ممن له قدم راسخة في المعارف الإلهية .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين


ا[1]القرآن الكريم ، سورة المجادلة :11
ا[2] سورة الزمر : 9
ا[3] الشيخ عباس القمي ، سفينة البحار ، ط 2 ، دار الأسوة ، طهران ، 1416هـ :6/343 ، علم .
ا[4] المصدر السابق :6/344 ، علم .
ا[5] انظر : ملامحسن الفيض الكاشاني ، الوافي ، ط1 ، مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام ، أصفهان ، 1412هـ ، تحقيق وتصحيح وتعليق ضياء الدين الحسيني الأصفهاني :1/134 .
ا[6] سورة الإسراء آية 9
ا[7] سورة المائدة : 15-16
ا[8] سورة الأنعام :155
ا[9] الشيخ محمد بن مسعود إبن عياش ، تفسير العياشي ، ط1 ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، 1411هـ ، تصحيح و تعليق السيد هاشم الرسولي المحلاتي : 1/16.
ا[10] الشيخ محمد بن الحسن الصفار ، بصائر الدرجات الكبرى ، مؤسسة الأعلمي ، طهران ، 1404هـ ، تقديم و تعليق و تصحيح ميرزا محسن كوجه باغي :8/434، ب17/4 ؛ وانظر : الإمام أحمد بن حنبل ، مسند أحمد و بهامشه منتخب كنز العمال ، ط2 ، دار الفكر ، 1398هـ :3/14 ، 17 . الإمام أحمد بن محمد الطبري ، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ، ط1 ، مكتبة الصحابة ، جدة ، 1415هـ ، حققه و علق عليه أكرم البوشي ، قدم له محمود الأرناؤوط :47 ، الباب الخامس في فضل أهل البيت .
ا[11] سورة النجم : 53/3-4
ا[12] سورة الشورى : 42/52-53
ا[13] سورة النحل : 16/43
ا[14] الحافظ عبد الرحمن السيوطي ، الجامع الصغير أحاديث البشير النذير وبالهامش كنوز الحقائق ، ط4 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، : 97
ا[15] السيد هاشم محمد الشخص ، أعلام هجر من الماضين والمعاصرين ، ط2 ، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر ، 1416هـ تقديم د. عبد الهادي الفضلي : 1/181
ا[16] سورة النساء : 6/65
ا[17] الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي ، شرح الفوائد ، ط حجرية ، 1272هـ : 5
ا[18] الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي ، شرح المشاعر ، ط2 ، مطبعة السعادة ، كرمان ، : 4
ا[19] شرح الفوائد : 4
ا[20] شرح الفوائد :4 .شرح المشاعر:4
ا[21] شرح المشاعر : 4
ا[22] شرح المشاعر : 13
ا[23] أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ، نهج البلاغة ، ط1 ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت ، 1410هـ ، أختيار الشريف الرضي : 350، الكتاب : 77
ا[24] المصدر السابق : 26 ، خطبة : 18
ا[25 سورة النساء 4/ 82 .
ا[26] شرح المشاعر :3-4
ا[27] الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي ، رسالة في تفسير سورة هل أتى على الأنسان ، طبعت ضمن جوامع الكلم ، ط1 ، تبريز ، 1276هـ :2/119
ا[28] المصدر السابق : 2/120-121
ا[29] سورة الحشر 59 /7 .
ا[30] الشيخ الصدوق ، الخصال ، ط1 ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، 1410هـ ، تحقيق علي أكبر الغفاري : 256-257 ، ب الأربعة /131


القرآن الكريم   -   السنة المطهرة   -   الحكمة   -   الفقه وأصوله  -   الأخلاق  -   الأدب  -   أشياء أخرى
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي - تصميم وتطوير تصميم وتطوير بيان ميديا