الشيخ الأوحد وفكرة المعاد
بقلم : الدكتور محمد شحادة*

يرى الشيخ الأحسائي بأنه يجب على المكلف أن يعتقد بوجوب المعاد ، يعني عود الأرواح إلى أجسادها يوم القيامة . إذن من هذا المنطلق نرى بأن الشيخ الأحسائي يعتقد بعود الأجساد يوم القيامة ، أي يوم الحساب ، وبالتالي هنا نتناول هل الشيخ الأحسائي أقر بعودة الجسد بعد فناء الجسد ؟ يرى الشيخ الأحسائي بأن للإنسان جسدين وجسمين[1].

الجسد الأول:

وهو ما تألف من العناصر الزمانية ، وهذا الجسد كالثوب يلبسه الإنسان ويخلعه، لا لذة له ولا ألم، لا طاعة له ولا معصية ، ألا ترى أن زيداً يمرض ويذهب جميع لحمه حتى لا يكاد يوجد فيه رطل لحم وهو زيد لم يتغير ، فهذا زيد العاصي لم تذهب من معاصيه واحدة ، ولو كان ما ذهب منه له مدخل في المعصية لذهب أكثر معاصيه بذهاب محلها ومصدرها . إذن لو عفن وسمن، يبقى هو زيد بلا زيادة فيه بالسمن ولا نقصان بالضعف، لا في ذاته ولا في صفاته، لا في طاعته ولا في معصيته ، ولعل قول علي (ع) في جوابه للإعرابي في النفس الحسية الحيوانية حيث يقول: فإذا فارقت عادت إلى ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة. فتعدم صورتها ويبطل فعلها ووجودها، ويضمحل تركيبها .

أما الجسد الثاني:

فهو الباقي وهو الطينة التي خلق منها ويبقى في قبره ، فإذا أكلت الأرض الجسد العنصري وتفرق كل جزء منه ولحق بأصله فالنارية تلحق بالنار ، والهوائية تلحق بالهواء ، والمائية تلحق بالهواء ، والترابية تلحق بالتراب يبقى مستديراً كما قال الإمام الصادق (ع) ، أي مترتبة على هيئة صورته أجزاء رأسه في محل رأسه ، وأجزاء رقبته على هيئة صدره في محله[2] وهو تأويل قوله تعالى } وما منا إلَّا له مقام معلوم {[3] . وهذا الجسد هو الإنسان الذي لا يزيد ولا ينقص يبقى في قبره بعد زوال الجسد العنصري عنه الذي هو الكثافة والأعراض ، فإذا زالت الأعراض عنه لم تره الأبصار الحسية ، ولهذا مثل به الإمام الصادق (صلوات الله عليه) بأنه مثل سحالة الذهب في دكان الصائغ ، يعني ذلك بأن سحالة الذهب في دكان الصانع لم ترها الأبصار فإذا غسل التراب والماء وصفاه استخرجها ، كذلك الجسد يبقى في قبره هكذا فإذا أراد الله سبحانه بعث الخلائق أمطر على كل الأرض ماء من بحر تحت العرش أبرد من الثلج ورائحته كرائحة المني يقال له صاد ، فيكون وجه الأرض بحراً واحداً فيتموج بالرياح وتتصفى الأجزاء كل شخص تجتمع أجزاء جسده في قبره مستديرة ، أي على هيئة بنيته في الدنيا أجزاء الرأس ، ثم تتصل بها أجزاء الرقبة ثم تتصل أجزاء الرقبة بأجزاء الصدر والصدر بالبطن ، فإذا نفخ إسرافيل في الصور تطايرت الأرواح كل روح إلى قبر جسدها فتدخل فيه فإذا هم قيام ينظرون وهذا الجسد الباقي هو الجسد الذي فيه يحشرون ويدخلون الجنة أو النار[4] . } إن الله يبعث من في القبور {[5] من هذا المنطلق نستطيع القول بأن الشيخ الأحسائي يرى بأن للإنسان جسدين ، هناك الجسد الفاني الزائل ، وهناك الجسد الجوهري الذي يبعث الإنسان يوم القيامة ، إذن الأجساد لا تبعث بهذه الكثافة بل تصفى فتبعث صافية ، فالكثافة تفنى ، وهي بمنـزلة الثوب .وما هي إلاّ مجرد أعراض، والأعراض لا تزيد في الوزن دخولاً ولا خروجاً، ويتابع الأحسائي بأن هذا الجسد الذي في الدنيا، المرئي بعينه، هو الجسد المحشور بعد التصفية .

إذاً من هذا المنطلق يعتقد شيخنا بوجوب المعاد ، ويعني عود الأرواح إلى أجسادها يوم القيامة ، فإذا مات الناس كانت أرواحهم على ثلاثة أصناف:

أحدها من محض الإيمان محضاً ، فهذا الذي يكون إيمانه صلباً ، وقلبه نقياً، تمضي روحه بعد الموت إلى جنان الدنيا حيث التنعم فيها ، فإذا كان يوم الجمعة والعبد عند طلوع الفجر الثاني تأتيه الملائكة بنجب من نور ، عليها الياقوت والزمرد والزبرجد والدر وبعدها يركب ويطير ما بين السماء والأرض حتى يأتي وادي السلام بظهر الكوفة فيبقى هناك إلى أول الزوال بعد ذلك يتم استئذان الملك في زيارة الأهل ، ثم يصيح بهم الملك فيركبون ويطيرون إلى غرفات الجنان ، حيث النعيم ، وهكذا إلى رجعة آل محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيرجعون إلى الدنيا ، فمن قتل في الدنيا عاش في الرجعة بالضعف من عمره في الدنيا حتى يموت ومن مات في الدنيا يرجع حتى يقتل ، إذا رفع الله محمداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل بيته ـ عليهم السلام ـ في الأرض بقي الناس في هرج ومرج أربعين يوماً فينفخ إسرافيل نفخة الصعق ، فتبطل الأرواح وسائر الحركات فلا حس ولا محسوس أربعمائة سنة . أما الأجساد فيأتيها الروح والريحان من جنان الدنيا إلى نفخة الصور ( نفخة الصعق ) والأجساد تتفرق أجزاؤها وتبقى مستديرة في قبورهم مثل سحالة الذهب في دكان الصائغ .

أما الصنف الثاني:

من محض الكفر محضاً ، فإذا مات حشرت أرواحهم إلى عند طلوع الشمس ، يعذبون بحرها وإذا قرب غروب الشمس حشروا إلى برهوت بوادي حضر موت يعذبون إلى الصباح ، وبعد ذلك تسوقهم ملائكة العذاب إلى مطلع الشمس ، وهكذا إلى نفخة الصعق هنا تبطل الأرواح . أما أجسادهم فهي في قبورهم يأتيها الدخان والشرر في النار التي في المشرق ، وهكذا إلى نفخة الصور .

أما ثالثها:

فهم الأشخاص الذين لم يمحضوا الإيمان ولم يمحضوا الكفر ، وهؤلاء تبقى أرواحهم مع أجسادهم إلى يوم القيامة ، فإذا مضت أربعمائة سنة بين النفختين ، أمطر الله تعالى من بحر تحت العرش اسمه صاد ماء رائحته كرائحة المني ، حتى تكون الأرض كلها بحراً واحداً فيتموج في وجه الأرض حتى تجتمع أجزاء كل جسده في قبره ، ثم يبعث الله أسرا فيل فيأمره فينفخ في الصور نفخة النشور والبعث ، هنا تتطاير الأرواح فتدخل كل روح جسدها في قبره ، فيخرج من قبره فينفض التراب عن رأسه فإذا هم قيام ينظرون ، وهذا هو المعاد، أي عود الأرواح إلى أجسادها، كما هي في الدنيا .

هكذا إذاً، أكد الشيخ الأحسائي على فكرة المعاد وبداية لا يتحقق الإسلام بدون الاعتقاد بوقوع المعاد وكل من ينكر المعاد يعتبر كافراً ، ومن هذا المنطلق يجب الاعتقاد بالمعاد .. لأن المعاد يحقق العدل والحق بين الناس فمن عمل خيراً جزاءه خير، ومن عمل شراً فسيلقى العقاب ، ويرى الشيخ الأحسائي هذا الكلام ينطبق على الأنس والجن وسائر الشياطين ، وعلى جميع الحيوانات بجميع أنواعها والجمادات أيضاً . كالأحجار المعبودة من دون الله والأشجار لرضاها بذلك[6] .

والقصاص من الجمادات والأشجار فإنه في الدنيا، فلو طغى جبل على جبل لهدّه الله[7] .

ومما يجب اعتقاده إنطاق الجوارح لتشهد على أصحابها من المكلفين بما عملوا }يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيدهم وأرجلهم بما كانوا يعملون { [8]

أيضاً هناك نقطة يشير إليها الشيخ الأحسائي وهي تطاير الكتب ، فإذا كان يوم القيامة تطايرت الكتب ، فمن كان محسناً أتاه كتابه من وجهه وأخذه بيمينه ، ومن كان مسيئاً أتاه كتابه وراء ظهره وضربه وخرق ظهره وخرج من صدره وأخذه بشماله .

إذاً يجب الاعتقاد بيوم القيامة لنصب الموازين ولتمييز أعمال المكلفين . وكل من ينكر يوم القيامة يعتبر من الكافرين .

ونلاحظ أيضاً أن الشيخ الأحسائي يؤكد الإيمان بالمعاد والمعراج الجسمانيين للنبي ـ صلى الله عليه وآله ـ خلافاً للمآخذ التي أُخذت عليه، فهو يرى في مسألة المعاد الجسماني بأن للإنسان جسمين وجسدين ، جسم يفنى ولا يعود ، وهو الذي يتألف من العناصر الزمانية والكثافات المادية ، وجسم يعود ويحشر معه الإنسان ، وهو ما تألف من طينته الأصلية الصافية ، والشيخ الأحسائي يؤمن بعروج النبي إلى السماء بجسده الشريف وثيابه ويدعي أن النبي صعد إلى السماء بعد صفاء جسمه ونقائه من الكدورات والكثافات الدنيوية ، بحيث أصبح جسماً لطيفاً خفيفاً نورانياً ملائماً لعالم السماء والأفلاك .

ويتابع الشيخ الجليل بأن أهل النار متألمون أبداً وكلما طال المدى ازدادوا تألماً بعكس أهل الجنة كلما طال عليهم المدى ازدادوا تنعماً وقد بيّن ذلك وفق أدلة العقل و دليل الحكمة ، حيث أن النار ضد الجنة وتألم أهل النار ضد تنعم أهل الجنة .

ويرى الأحسائي أن هناك أناساً من أهل الجنة عليهم ذنوب يستوجبون بها دخول النار ثم يخرجون منها بعد تطهيرهم ويغتسلون في عين الحيوان بعد دخول الجنة وفي المقابل هناك أناس من أهل النار لهم حسنات لم يوفوا جزاءها في الدنيا ، فإن هؤلاء يدخلون الجنة بقدر حسناتهم ثم يخرجون منها ويغتسلون في الماء الأجاج ويدخلون النار ، ومن دخل النار من المؤمنين فإنه لا يدخل إحدى النيران السبع ، وإنما يُعذب في ضحضاح من النار وهي حظائر النيران ، وبالتالي يرى الأحسائي إن حظائر الجنان تسكنها ثلاث طوائف مخلدون فيها منهم مؤمنو الجن والمؤمنون ومن أولاد الدنيا والمجانين الذين عاشوا في الدنيا ولم يجر عليهم التكليف ، يلزم عن ذلك أن تكون حظائر النار لطوائف ثلاث مخلدون كما في ضدها .

بناء على ذلك فإن الأحسائي يضع للنار درجات وكذلك يضع للجنة درجات ، حيث يرى أن الجنان ثمان أعلاها على ما دلت عليه بعض الروايات جنة عدن ، وهذه الجنة ليست لها حظيرة كما تشير الأدلة ( أدلة العقل والنقل ) . وأما باقي الجنان وهي سبعة ، فلكل منها حظيرة تختص بها ، وهذه الحظائر ( حظائر الجنان خُلقت من فاضل تلك الجنة المختصة ، وكذلك يرى الشيخ الأحسائي أن النيران أيضاً سبعة ، حظيرة تختص بها خلقت من فاضلها وأليمها من فاضل أليمها ، بناء على ذلك، كانت النيران أربع عشرة ، ولكل دار من هذه النيران سكان خالدون فيها أبداً مخصوصون بها لا يسكنها غيرهم ولا يخرجون منها .

إذاً يرى الشيخ الأحسائي بأن الجنان الثمان هي للأنبياء والمرسلين والصدقيين والشهداء والصالحين والملائكة ، وأما النيران للكافرين والمنافقين والمشركين أعداء الدين المغضوب عليهم ، وهم الذين تبين لهم الحق في الدنيا ولم يقبلوه .

إن أهل الجنة مقيمون فيها أبداً وأهل النار كذلك مقيمون في النار أبداً كل له مرتبته لا يستطيع الخروج منها لا في صعود ولا في نزول ومراتب الجنة عند الأحسائي ثمان أعلاها كما اسلف الذكر جنة الفردوس ثم الجنة العالية ، ثم جنة النعيم ، جنة عدن وهي لا حظيرة لها وبعد ذلك جنة المقام ، ثم جنة الخلد ، ثم جنة المأوى ، إلى جنة دار السلام .

إن الله تعالى خلق الرحمة وخلق منها الغضب وخلق من الرحمة الجنان الثمان وخلق من كل جنة أهلها وخلق من سبع جنان منها من فاضل كل جنة حظيرة تنسب إليها ويستمد نعيمها من نعيمها ، وخلق من فاضل كل جنة سكان حظيرتها ، والله تعالى خلق من الغضب النيران السبع وخلق من كل نار أهلها وخلق من فاضل كل نار حظيرة تنسب

إليها ويستمد عذابها من عذابها ، وخلق من فاضل أهل كل نار سكان حظيرتها . ويرتب الشيخ أسماء النيران على الشكل التالي :
الأولى: جهنم .
الثانية: لظى .
الثالثة: الحطمة.
الرابعة: السعير .
الخامسة: سقر .
السادسة: الجحيم.
السابعة: الهاوية.

وقيل أعلاها الجحيم وأسفلها جهنم[9].

ويرى الأحسائي بأنه يجب أن يعتقد أن أهل الجنة خالدون فيها أبداً متنعمون أبداً كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل . وكذلك أهل النار خالدون فيها أبداً معذبون لا يخفف عنهم العذاب[10] }كلما نضجت جلودهم بدلنا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب {[11] .

هكذا حاول الشيخ الجليل تصوير يوم المعاد حيث اعتبره يوم حق ، يجب على جميع المؤمنين الاعتقاد به .

وحول فكرة المعاد حاول الشيخ أن يبين أن يوم المعاد هو يوم الحساب ، ويبين أيضاً أن هناك جسدين وجسمين، الجسد الأول هو ما تألف من العناصر الزمانية وهو كالثوب يلبسه الإنسان ويخلعه ولا لذة له ولا ألم ولا طاعة ولا معصية ، أما الجسد الثاني فهو جسده الباقي ، وهو الطينة التي خُلق منها وهذا الجسد هو الإنسان الذي لا يزيد ولا ينقص يبقى في قبره بعد زوال الجسد العنصري عنه .

لقد قدم الشيخ الجليل أدلة منطقية وبراهين مقنعة في تصوره لفكرة المعاد ، وقدم فلسفته الخاصة ، هذه الفلسفة التي لا تتعارض مع الدين ، حيث دلل ووضح فكرته استناداً إلى النصوص الدينية ، ومن هنا تكمن عبقرية الشيخ الأحسائي في عملية التوفيق بين العقل والمنطق وبين الدين في مسألة فكرة المعاد .

ومن هنا يستحق الشيخ الأحسائي المكانة المرموقة في الفكر الفلسفي والديني لما له من أهمية .


* أستاذ فلسفة الأخلاق في جامعة دمشق .
ا[1] الأحسائي ، أحمد بن زين الدين، حياة النفس ، ط2، 2000، بيروت، ص175 .
ا [2]الأحسائي ، أحمد بن زين الدين ، شرح الزيارة الجامعة الكبيرة ، ط1، 1999، دار المفيد، بيروت، ج4ص 27.
ا[3] سورة الصافات، آية: 164
ا[4] المصدر السابق ، شرح الزيارة الجامعة الكبيرة ، ج4ص27 .
ا[5] سورة الحج، آية : 7
ا[6] المرجع السابق ، حياة النفس ، ص175 .
ا[7] المرجع السابق ، ص 183.
ا[8] سورة النور ، الآية : 24 .
ا[9] المصدر السابق، شرح الزيارة الجامعة الكبيرة، ج4 ص .
وكذلك انظر، الأحسائي، أحمد بن زين الدين، رسائل الحكمة ، ط1، 1993، الدار العالمية، بيروت، ص68 .
ا[10] المصدر السابق، حياة النفس ،ص193 .
ا[11] سورة النساء آية : 56 .


القرآن الكريم   -   السنة المطهرة   -   الحكمة   -   الفقه وأصوله  -   الأخلاق  -   الأدب  -   أشياء أخرى
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي - تصميم وتطوير تصميم وتطوير بيان ميديا