معرفة الله
بقلم الأستاذ / أحمد النجار

ولد الإنسان على هذه البسيطة وبدأت رحلته الشاقة نحو المجهول . إنها رحلة طويلة ملؤها الحيرة والخوف ؛ فولد معه دينه وإيمانه بالله ليكون إيمانه بالله مخلصاً ومنجياً ، بل هو تعبير عن نزعة أصيلة في الإنسان نحو خالقه في وعيه وفطرته ويؤكد ذلك أثرها البعيد المسيطر على تفكير الإنسان ومشاعره .

قال عز من قائل : } فطرة الله التي فطر الناس عليها { الروم / 30 } ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله { لقمان /25

قال الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : (( كل مولود يولد على الفطرة ...)) [1]

يقول الإمام علي (عليه السلام ) : (( تدركه القلوب بحقائق الإيمان )) [2] (( تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة ، وتشهد له المرائي لا بمحاضرة )) [3] (( لم يطلع العقول على تحديد صفته ولم يحجبهم عن واجب معرفته )) [4] (( هو الله الحق المبين أحق وأبين مما ترى العيون )) [5]

يقول الإمام الصادق عليه السلام (( إن المعرفة من صنع الله عز وجل في القلب مخلوقة )) [6] .

فمنذ وجد الإنسان وجد الإيمان ولا خلاف في ذلك بين الأديان :

يقول ( لوديغ ) الألماني : ( بعض اللاهوتيين الكاثوليك يعلمون مستندين إلى الآباء : أن فكرة الله لا تأتي الإنسان عن طريق التفكير الاستنتاجي المعتمد على الاختبار بل هو الإنسان مطبوع عليها ) [7]

يقول ( يوحنا ) الدمشقي : ( إن معرفة وجود الله قد غرسها الله لدى جميع الناس في الطبيعة ) [8]

ويقول القديس ( توما ) : ( نقول إن معرفة الله هي مطبوعة فينا بمعنى أننا نستطيع بسهولة بواسطة المبادئ المطبوعة فينا أن نعرف وجوده ) [9] هذا ما حدا بأحد الكتاب أن يقترح فصل الإنسان بالمتدين بدل الناطق أو المفكر .

ولأن التاريخ لا يستطيع الادعاء بأن فترة من الفترات كانت خالية من الإيمان بالله لم ينكر الماديون هذه الظاهرة لكنهم اعتبروها حالة عارضة على الفكر الإنساني فقدموا تفسيرات عدة لهذه الظاهرة الدينية ، نفسية ، تاريخية ، اجتماعية ، طبيعية ، اقتصادية ، اعتباطية ، وغيرها إليك مجموعة منها /

  1. إن الإله ليس سوى انعكاس الشخصية الإنسانية عن الكون ومستواه يقول (فرويد) : إن اللاشعور قد يقبل أفكاراً في الطفولة وتؤدي أعمالاً غيرعقلية وهذا ما يحدث بالنسبة إلى العقائد الدينية . [10]
  2. يقول(نيتشه) : الدين والإله من صنع الطبقات المحرومة المستضعفة واختراعاتهم ليحدوا به من استغلال الأثرياء وطغيان الأقوياء [11] .
  3. إن الدين والقضية الإلهية من صنع الأقوياء والطغاة ليخدروا به الضعفاء " الدين أفيون الشعوب " [12]
  4. الكوارث الطبيعية دفعت الإنسان بدافع الخوف أو الأمل أن يتضرع أو يبتهل إلى الكائنات الأعلى منه الشياطين وأرواح الأجداد أو الألهة [13]
  5. الفكرة الإلهية والدينية إنما نشأت وتكونت بعامل الحاجة العقلية الملحة لتفسير ظاهرات العالم والطبيعة وتعليل ما يحدث في هذا الكون [14] ففلسفة ودين الإنسان البدائي بنيت من الملاحظات والاستنتاجات الخاطئة التي كانت ممكنة في ذهن غير متعلم وخام [15] .

فإذا كانت معرفة الله سبحانه فطرية مغروسة في ضمير الإنسان يمكن أن نرجع الأسباب التي جعلتها تبدو غير ذلك إلى التالي /

1- التشويش الفكري وعدم الوعي الكافي لترجمة المدركات للربط بين المطلب ومعطيات ثبوته . من ذلك ما ورد في تفسير الإمام العسكري عليه السلام : أن رجلاً سأل الإمام الصادق عليه السلام : يا ابن رسول الله ، دلني على الله ما هو ؟ فقد أكثر علي المجادلون وحيروني . فقال عليه السلام له : يا عبد الله هل ركبت سفينة قط ؟
قال السائل : نعم .
قال عليه السلام : فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك ؟
قال : نعم .
قال عليه السلام : فهل تعلق قلبك هناك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك ؟
قال : نعم .
قال الصادق عليه السلام : فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي وعلى الإغاثة حيث لا مغيث [16] .

2- عوامل تاريخية واجتماعية معينة على نحو ما نجده من سلوك الكنيسة السلبي تجاه المفكرين في القرون الوسطى . ( لقد كان سلوك أرباب الكنائس ومحاكم التفتيش في القرون الوسطى من العوامل القوية التي دفعت بعض المفكرين والمثقفين باتجاه المادية واتخاذ موقف سلبي من الدين والميتافيزيقيا ككل ) [17]

3- الجحود للكسل وللتحرر من أي التزام فلا محرك سوى الهوى والنتيجة الضلال . قال تعالى : } أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم { الجاثية / 23
} ومن أضل من اتبع هواه بغير هدى من الله { القصص / 50 .

4- جهود تضليل مفتعلة لتفريغ الإنسان من الداخل ليصبح آلة خرقاء تقودها الأيدي القوية وفقاً لمصالحها . يقول الإمام علي ( عليه السلام ) في إحدى خطبه : (( واجتالتهم الشياطين عن معرفته )) [18] .

يقول الإمام الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة ، متعجباً و موقظاً لفطرة الإنسان (( أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك ، حتى يكون هو المظهر لك ، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ، عميت عين لا تراك ..))

إن الإنسان بفطرته أدرك وجود الله ولكنه لم يعرفه المعرفة الحقة ، وحتى العقل لم يسعفه لهذه المعرفة ...

يقول الشيخ عبد الله نعمة (قده) – بتصرف- /
( لقد توافقت الجماعات البشرية منذ القدم على التدين بإله خالق ، صدرت عن إرادته هذه الكائنات ، يديرها ويهيمن عليها ، وإن اختلفت تصوراتهم حول هذا الخالق ) [19]

وعلى هذا لا معنى للنزاع بين العدلية من الشيعة والمعتزلة ، وبين الأشاعرة في أن معرفة الله واجبة بالوجوب السمعي أم بالوجوب العقلي ؛ مادامت هذه المعرفة فطرية غريزية في جبلة الإنسان [20] .

الدعوة إلى الله :

لقد تعرف لنا الله تعالى من دون أن ( يتنزل) عن مقامه أو أن يتلبس بلباس خلقه كما يتوهم الضالون بل تعرف لنا بالهداية إليه . قال تعالى : } الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله { الأعراف /43

يقول الإمام عليه السلام في دعاء أبي حمزة الثمالي : (( بك عرفتك وأنت دللتني عليك )) .

في الدعاء المأثور : (( تعرفت عليَّ في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء ))

في البدء تشير الفطرة إلى وجود الله ثم يأتي دور العقل وهو الأداة التي تحفظ هذه المعرفة والعقل يركز هذه الرؤية ويجعلها عقيدة ومن ثم يأتي الإقرار والتسليم لله سبحانه . يقول الإمام الرضا (عليه السلام ) : (( بصنع الله تعالي يستدل عليه ، وبالعقول تعتقد معرفته وبالفطرة تثبت حجته )) [21] ويقول (عليه السلام ) أيضاً : (( بالعقول يعتقد التصديق بالله ، وبالإقرار يكمل الإيمان )) [22]

فإذا كانت مسألة الإيمان بالله بهذه التلقائية وهذه الفطرية ؛ كانت دعوة القرآن الكريم إلى الإيمان إيقاظاً للعقل والفطرة ، داعياً إلى التفكر وإمعان النظر في آيات الآفاق وآيات الأنفس ، على نحو من قوله تعالى : } أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء { الأعراف / 185 } ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون { الروم / 21 } كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون { البقرة / 73 } سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق { فصلت / 53

وقد سار على هذا النهج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) والأئمة المعصومون (عليهم السلام ) فعبؤا العقول ودفعوها باتجاه الإيمان بأفضل الأدلة وأكثرها إتقاناً وفطرية بأعذب الأساليب وأبلغ التعابير [23] . ومع هذا فقد انصرفت جهود الفلاسفة والمتكلمين في الدعوة إلى الله بأدلة مليئة بالمصطلحات العلمية لا تحدث الاطمئنان ولا تبلغ النفس . قال الله تعالى : } وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً { النساء / 63 .

فاكتفوا بالتوحيد الفلسفي القائم على البرهان وترتيب القياس وإن كان ناقصاً لا يحدث الإشباع المطلوب .

وهذا الدليل مع الحاجة إليه لا يقتصر عليه . وقد عبر عنه الشيخ الأحسائي (قده) بدليل المجادلة – سيأتي المزيد عنه – يقول الشيخ في شرح الزيارة الجامعة /

( وهو دليل ظاهر أكثر الاستدلالات به من الناس ومن المتكلمين والفقهاء لأنه يستند فيه إلى ما يدل اللفظ عليه بظاهره ، فكتب العلماء مشحونة منه بل وجود غيره فيها قليل ) [24]

يقول السيد محمد حسن ترحيني : ( دأب العلماء على الاستدلال بأدلة مليئة بمصطلحات علمية . والأولى اتباع الأسلوب القرآني في عرض المفاهيم الاعتقادية ، فإذا كان المفهوم الاعتقادي أمراً فطرياً فيكفي فيه تنبيه الفطرة ليس إلا . وإذا كان أمراً بديهياً فيكفي فيه إثارة البديهيات العقلية وإذا كان محتاجاً إلى نظر عقلي فيؤتى بالدليل العقلي بألفاظ يستطيع الجميع أن يدرك معناها من دون الاعتماد على المصطلح العلمي ) [25]

ويقول السيد محمد حسين طهراني في رسالة لب اللباب /

( الفلسفة والحكمة وإن كانت تتمتع بالأصالة والمتانة وتقوم بإثبات أشرف العلوم الذهنية والفكرية وهو التوحيد على أساس البرهان وتسد الطرق أمام الشكوك والشبهات وكما أن القرآن الكريم والراسخون في العلم عليهم الصلاة والسلام قد أمروا بالتعقل والتفكر وترتيب القياس والبرهان والمقدمات الاستدلالية ولكن الاكتفاء بالتوحيد الفلسفي والبرهاني في مدرسة الاستدلال بدون انقياد ووجدان الضمير وشهود الباطن أمر ناقص . فإنما هو إشباع لعضو من الأعضاء وتجويع لعضوأعلى وأرفع فالدين القويم والصراط المستقيم يراعي كلا الجانبين ) [26]

وعن استدلالات الأئمة عليهم السلام في بعض الأحيان يقول الشيخ محمد آل أبي خمسين (قده) /

( استدلالات الأئمة عليهم السلام في بعض الأحيان لبعض المصالح لأن ذلك مكنسة لغبار الأوهام ، ولتفريغ إناء القلوب من الشكوك والشبهات التي اعترتهم من عقائدهم الفاسدة وأوهامهم الكاسدة ) [27]

تتمة الموضوع تحت العناوين التالية /
حركية الدليل باتجاه الدعوة إلى الله
النفس الأنموذج الأنفع للمعرفة
باب الإيمان بالله


ا[1] أصول الكافي / الكليني ، ج2 ص 15 باب فطرة الخلق على التوحيد ط1 ، 1413 هـ ، دار الأضواء ، بيروت ، لبنان .
ا[2] نهج البلاغة / شرح الشيخ محمد عبده ج 2 ص99 / منشورات دار المعرفة – بيروت ، لبنان .
ا [3] نفس المصدر السابق ج 2 ص115
ا[4] المصدر السابق ج 1 ص99.
ا[5] المصدر السابق ج 2 ص45
ا[6] بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 221 نقلاً عن العرفان الإسلامي ، السيد المدرسي / ص 317 ط 2 مؤسسة البلاغ بيروت - لبنان
ا [7] الفلسفة الإلهية / علي سليمان يحفوفي ، ص25 ط 1، 1401 هـ / الدار العالمية ، لبنان
ا[8] المصدر السابق ص 26
ا[9] المصدر السابق ص 26
ا[10] عقيدتنا / الشيخ عبد الله نعمة (قده) ص19 / ط2 ، 1403 هـ مؤسسة عز الدين ، بيروت ، لبنان .
ا[11] المصدر السابق ص 24
ا[12] المصدر السابق ص 26
ا[13] السحر والعلم والدين / برونسلاف مالينوفسكي ترجمة : محمد الجورا ص 14 / ط1 ، 1995 م ، دار الحوار , اللاذقية – سورية
ا[14] عقيدتنا / الشيخ عبد الله نعمة (قده) ص28 / ط2 ، 1403 هـ مؤسسة عز الدين ، بيروت ، لبنان .
ا [15] السحر والعلم والدين / برونسلاف مالينوفسكي ترجمة : محمد الجورا ص 13 / ط1 ، 1995/ دار الحوار , اللاذقية – سورية
ا[16] البحار الجزء 3 ، الحديث 16 ، ص 41 نقلاً عن الإحكام في علم الكلام / السيد ترحيني ، ص12، ط1 1993 ، دار الأمير ، لبنان
ا[17] نظرية المعرفة / الشيخ جعفر سبحاني ، بقلم الشيخ حسن العاملي / ط1، 1411 هـ الدار الإسلامية بيروت – لبنان .
ا[18] نهج البلاغة / شرح الشيخ محمد عبده ج 1 ص23 / منشورات دار المعرفة – بيروت ، لبنان .
ا[19] عقيدتنا / الشيخ عبد الله نعمة (قده) ص18 / ط2 ، 1403 هـ مؤسسة عز الدين ، بيروت ، لبنان .
ا[20] الإحكام في علم الكلام / السيد ترحيني، ص6 ، ط1 1993 ، دار الأمير بيروت ، لبنان
ا[21] البحار / ج4 ، ط2 ص228- 230 نقلا عن العرفان الإسلامي / العلامة المدرسي ص298 ط2 ، 1408 مؤسسة البلاغ لبنان
ا[22] البحار / ج4 ، ط2 ص228- 230 نقلا عن العرفان الإسلامي / العلامة المدرسي ص303 ط2 ، 1408 مؤسسة البلاغ لبنان
ا[23] يمكن تلمس نموذج رائع على هذا النهج بمراجعة توحيد المفضل ( آمالي الإمام الصادق عليه السلام ) .
ا[24] شرح الزيارة الجامعة / الشيخ الأحسائي / ج2، ص 63 ، شرح قوله عليه السلام : ( ودعوتم إلى سبيله )
ا[25] الإحكام في علم الكلام / السيد ترحيني ، ص 9 ، ط1 1993 ، دار الأمير ، لبنان
ا[26] رسالة لب اللباب / السيد محمد حسين طهراني ص16 ، 1412 هـ دار التعارف للمطبوعات بيروت - لبنان
ا[27] مفاتيح الأنوار / الشيخ محمد آل أبي خمسين / ص 36-37 ، مخطوط ، كتبه / أحمد الصحاف 1317 هـ


القرآن الكريم   -   السنة المطهرة   -   الحكمة   -   الفقه وأصوله  -   الأخلاق  -   الأدب  -   أشياء أخرى
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي - تصميم وتطوير تصميم وتطوير بيان ميديا