|
قلنا في مقالتنا ( الإنسان حيوان ناطق ) أن الشيخ ناقش كل ماجاء من أي حكيم بروايات أهل العصمة عليهم السلام ، ومن ذلك أيضاً الإرادة ، حيث أن الشيخ قدس سره حاول وبكل ما يستطيع أن يناقش – بما ظهر له من روايات أهل العصمة – كل من خالف حكمتهم عليهم السلام .
وفي هذه المقالة سنبين رأي الشيخ ( في الإرادة ) تبعاً لساداته عليهم السلام ، ولكن يجدر بنا قبل الخوض في هذا البحث ، أن نعرف الإرادة ، وماهو رأي الحكماء فيها.
1- تعريف الإرادة :
لغة أراد الشيء : أحبه وعُني به [1]
وفي كتاب التعريفات للجرجاني ، الإرادة : هي صفة توجب للحي حالاً يقع منه الفعل على وجه دون وجه ، وفي الحقيقة هي مالا يتعلق دائماً إلا بالمعدوم ، فإنها صفة تخَصِّص أمراً ما لحصوله ووجوده كما قال الله تعالى ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) .
الإرادة : ميل يعقب اعتقاد النفع . [2]
وفي شرح المصطلحات الكلامية :
الإرادة : هي اختيار كون شيء في وقته .
: القصد إلى الفعل هو نفس الإرادة له .
: عبارة عن صفة شأنها تميز الشيء عن مثله .
: ترجيح أحد مقدوريه (المريد) على الآخر وتخصيصه بوجه
دون وجه . [3]
وغيرها من التعريفات التي لا حصر لها ولا عد ، ولكن إذا تتبعنا هذه التعريفات نجد أن ملخصها هو : أن الإرادة هي الميل للشيء والعزم عليه وترجيحه على غيره في وقت مخصوص .
2- نظرة الحكماء للإرادة :
اختلف الحكماء في الإرادة هل هي قديمة أم حادثة ؟ فقال أكثر المتكلمين والحكماء المتألهين والصوفية وغيرهم أنها قديمة ، وهي ذات الله [4] ، وقال آخرون من الحكماء ومن ضمنهم الشيخ أحمد بن زين الدين (قدس سره) ، حيث قال أنها حادثة ، وليس لله إرادة قديمة ، وعلَّل قوله بعدة أمور منها :
أولاً: الإرادة لا تكون إلا والمراد معها ، يعني مثلاً إذا أردت أن تشرب ماءً لابد من حضور الماء في ذهنك والميل إليه ، فإذا قلنا بأن الله مريد على الدوام ، يلزم من ذلك أنه أراد أن يخلق الخلق بهذه الكيفية التي هم عليها الآن ، وهذه الإرادة قديمة ، فيكون المراد (الذي هو الخلق) قديم فيلزم من ذلك تعدد القدماء .
ثانياً : ولأنه تعالى لم يزل عالماً قادراً ثم أراد . فإذا قلنا أن الإرادة هي نفس العلم - الذي هو الذات - لزم من ذلك وجود المراد معها وفي هذه الصورة تتعدد القدماء أيضاً .
ثالثاً : ولأنه تعالى لا يُرَوِّي ولا يهم ولا يفكر [5] ، لأنه غير الخلق فإرادته إحداثه أي كما قال تعالى ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) [6] .
وإذا أردنا أن ننهي النقاش في هذه المسألة ، فما علينا إلا أن نطالع مُـحاجَّة الإمام الرضا (ع) مع سليمان المروزي .
قال سليمان المروزي : يا سيدي ما تقول فيمن جعل الإرادة اسماً وصفة ، مثل حي وسميع وبصير وقدير ؟
قال الرضا (ع) : إنما قلتم حدثت الأشياء واختلفت ، لأنه شاء وأراد ولم تقولوا : ( حدثت واختلفت ) لأنه سميع بصير ، فهذا دليل على أنها ليست مثل سميع وبصير وقدير .
قال سليمان : فإنه لم يزل مريداً ؟
قال : ياسليمان فإرادته غيره ؟ قال : نعم .
قال : قد أثبت معه شيئاً لم يزل ! قال سليمان : ما أثبت ؟
قال الرضا (ع) : أهي محدثة ؟
قال سليمان : لا ، ما هي محدثة ! فأعاد عليه المسألة فقال : هي محدثه ياسليمان ؟ فإن الشيء إذا لم يكن أزلياً كان محدثاً ، وإذا لم يكن محدثاً كان أزلياً .
قال سليمان : إرادته منه كما أن سمعه وبصره وعلمه منه .
قال الرضا (ع) : فإرادته نفسه ؟ قال : لا .
قال : فليس المريد مثل السميع والبصير .
قال سليمان : إنما إرادته كما سمع نفسه وأبصر نفسه وعلم نفسه .
قال الرضا (ع) : ما معنى أراد نفسه ، أراد أن يكون شيئاً أو أراد أن يكون حياً أو سميعاً أو بصيراً أو قديراً ؟ قال : نعم .
قال الرضا (ع) : أفبإرادته كان ذلك ؟ قال سليمان : نعم .
قال الرضا (ع) : فليس لقولك أراد أن يكون حياً سميعاً بصيراً معنى ، إذ لم يكن ذلك بإرادته . قال سليمان : بلا قد كان ذلك بإرادته ، فضحك المأمون ومن حوله وضحك الرضا (ع) ثم قال لهم ارفقوا بمتكلم خراسان !
فقال ياسليمان : فقد حال عندكم عن حاله وتغير عنها ، وهذا مما لا يوصف الله عز وجل به ، فانقطع .
ثم قال الرضا (ع) : يا سليمان أسألك عن مسألة ؟
قال : سل جعلت فداك !
قال : أخبرني عنك وعن أصحابك تكلمون الناس بما تفقهون وتعرفون أو بما لا تفقهون وتعرفون ؟
فقال : بل بما نفقه ونعلم .
قال الرضا (ع) : فالذي يعلم الناس أن المريد غير الإرادة ، وأن المريد قبل الإرادة ، وأن الفاعل قبل المفعول ، وهذا يبطل قولكم : أن الإرادة والمريد شيء واحد .
قال : جعلت فداك ! ليس ذلك منه على ما يعرف الناس ، ولا على ما يفقهون .
قال : فأراكم ادعيتم على ذلك بلا معرفة ، وقلتم : الإرادة كالسمع والبصر إذاً كان ذلك عندكم على ما لا يُعرف ولا يعقل . فلم يحر جواباً .
ثم قال الرضا (ع) لسليمان بعد كلام طويل : ألا تخبرني عن الإرادة فعل أم هي غير فعل ؟
قال : بل هي فعل .
قال : فهي محدثة لأن الفعل كلها محدث !
قال : ليست بفعل .
قال : فمعه غيره لم يزل ؟ … إلى آخر المناظرة نقلنا منها موضع الشاهد . [7]
فإذا أمعنا النظر بل لو مررنا على هذه الرواية مرور الكرام لرأينا أن الإرادة حادثة كما هو صريح قول الإمام (ع) (فهي محدثة لأن الفعل كله محدث ) .
إبطال قول من قال بقدم الإرادة بدليل الحكمة عند الشيخ :
اعتمد الشيخ على أدلة ثلاثة كما هو مفاد قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) [8] .
فالأول دليل الحكمة (وهو الدليل الذوقي العياني الذي تلزم منه الضرورة والبداهة بالمستدل عليه) [9] . أي أن المستدل بدليل الحكمة لا يأتي إلا بدليل قاطع واضح عند من يستدل له بهذا الدليل .
وفي الحقيقة أن هذه المحاجة التي جرت مع الإمام (ع) وسليمان المروزي لا تنكر حتى أنه (ع) لم يترك لسليمان حجة ولا نوع احتمال . ولا شك أن من قرأ هذه الرواية يقطع بحدوث الإرادة إلا أنه لا بد من تفصيل القول في ذلك ، فنقول أن الإرادة حادثة من جهتين :
الجهة الأولى :
أن الله سبحانه وتعالى جعل هذا العالم – كما هو معروف – متشابها في كل شيء ، فإذا نظر الإنسان إلى نفسه وجدها مطابقةً تمام المطابقة للعالم من حوله ، فهو يجد في نفسه مياه مالحة وعذبة ومرة ومتعفنة ، وكذلك في العالم الخارجي الذي هو العالم الكبير على حد تعبير الإمام أمير المؤمنين (ع) :
أتزعم أنك جرم صغــير فيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكتاب المبين ال بأحرفه يظهـر المظمــر
وكذلك في العالم الكبير عرش وكرسي وما إلى ذلك من مخلوقات من جبال ووديان وغيرها ، كذلك في الإنسان الذي هو العالم الصغير .
وعلى كل حال ليس هذا المقام محل بسط القول في هذا المجال ، وإنما نحن بصدد إثبات أن الإرادة حادثة بحدوث المراد عن طريق القرآن والسنة .
فنقول وبالله نستعين قال تعالى ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) [10] ، وقال الإمام الرضا (ع) ( قد علم ذووا الألباب أن الاستدلال على ما هناك لا يعلم إلا بما هاهنا ) [11] .
وغير ذلك مما يدل على أن دليل هذه وأمثالها يوجد في الإنسان ، والذي تجد في نفسك إما أنه مطابقاً لعالم الغيب أو أنه مطابقاً لعالم الشهادة (الذي نعيشه ونحياه) ، فمثال مشابهتك لعالم الغيب النية التي في نفسك ، فإنك قد تريد فتوجد إرادتك ، وقد لا تريد فتنفي إرادتك ، ولو كانت هذه الإرادة هي ذاتك لما أمكنك نفيها مع وجود ذاتك ، حتى لو قلت ذلك اعتباراً أي لو أنك فرضت أن تنفي شيء هو أنت لم تقدر إلا بملاحظة أنه غيرك ولو اعتباراً وتصوراً ، وكل ذلك لا يُتَصور في حق القديم تعالى .
مع أنك تقول لم يرد الله ، قال تعالى ( لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) [12] وقال تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) [13] . فكيف تكون هي ذاته وهي تنفى وتثبت .
قد يقال أن هذه الإرادة هي إرادة الأفعال وهي لا شك حادثة ، ونحن إنما نريد ونعني بالإرادة القديمة التي هي ذاته .
فنقول –كما قال الرضا (ع) لسليمان – أنتم تتكلمون بما تفهمون وتعقلون أم بما لا تفهمون ولا تعقلون ؟
فإن كان بما لا تفهمون ولا تعقلون فأمسكوا فإن العاقل لا يتكلم فيما لا يعقل ؛ لأنكم تصفون مالا تفهمونه وتحكمون على مالا تعقلونه .
وإن كان بما تفهمون ، فالإرادة إنما هي طلب الفعل أو نفس الفعل لأنها ميل الذات إلى جهة مطلوبها ، لأنك لو راجعت التعريفات السابقة لم تر إلا هذا المعنى ، فإذا فرضنا أنها قديمة فما معنى أراد الله ذاته ؟! فأنت تعتقد أن الله يعلم ذاته ويسمع ذاته فهل يمكن أن تقول أراد ذاته ؟
إذا قلت أراد ذاته يلزم من ذلك تغير الذات وتعددها ، لكون المريد غير المراد ، فإذا قلنا علم ذاته وسمع ذاته فما معنى أراد ذاته ؟ هل يعني أحب نفسه ، أو أراد أن يكون هو إياه: فيلزم من ذلك التعدد ، أو أراد أن يكون سميعاً وبصيراً وعليماً فكان ما أراد بإرادته : أي أنه أراد أن يكون سميعاً فصار سميعاً وأراد أن يكون بصيراً فصار بصيراً وأراد أن يكون عليماً فصار عليماً ، وهذا الفرض يوجب حدوث هذه الصفات . أم أراد ما لم يدخل في قدرته : أي أنه أراد أن يكون عالماً وسميعاً وحياً وغير ذلك ولم يحصل له ذلك لكونه خارج قدرته ولا يقدر عليه ، أم أراد ما كان في قدرته: فيلزم من ذلك العبث وتحصيل الحاصل ؛ لأن هذه الصفات موجودة عنده فكيف يريدها .
وإذا فرضنا أن الإرادة قديمة في الأزل كالعلم مثلاً ، وهي تتعلق وترتبط بالمخلوقات ، فإن كان الميل هو التعلق الحاصل بحدوث المتعلق فهو حادث ، لأن القديم لا ربط له بالحادث أبداً وإن كان الميل في الأزل والتعلق والمتعلِق [14] في الحدوث ، قلنا هل الميل هو الحالة المعروفة من كونه ميل الذات إلى جهة مطلوبها ، أو أنه غير هذه الحالة ؟
فإن قلنا بالأول يلزم من ذلك تغير الحال لأنه تغيَّـرَ من حالة عدم الميل إلى الميل فتتغير أحواله ومتغير الأحوال حادث .
وإن قلنا بالثاني يلزم من ذلك القول بما لا نعقل ونفهم ، لأننا لا نعرف من الإرادة إلا أنها الميل والفرض الثاني يقول ( غير حالة الميل ) ، فإذا قلت بهذا القول – الثاني – قلت بما لا تعقل ولا تفهم .
والجهة الثانية :
أن من قال بقدم الإرادة لا يعرف الأزل ، ولم يدركه ولم يره ، ولا صعد إليه فيرى ما هناك ولا نزل – القديم – إليه [15] فيشاهد ما جاءه به ، ولم يأته منه تعالى خطاب ولا كتاب ولا رسول يخبره بما قال ، وإنما جاءه منه –تعالى – رسول صادق صلى الله عليه وآله ، يخبره عن أن القديم ليس كمثله شيء ، وليس هو إرادة ولا له إرادة قديمة هي ذاته أو غيرها ، بل إرادته هي عين فعله بلا مغايرة .
ولذا قال الصادق (ع) حينما سأله صفوان بن يحيى ( أخبرني عن الإرادة من الله ومن الخلق ؟ فقال عليه السلام الإرادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل وأما من الله تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك لأنه لا يُروي ولا يهم ولا يفكر وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق ، فإرادة الله ، الفعل لا غير ذلك يقول له : كن فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همَّة ولا تفكر ولا كيف لذلك ، كما أنه لا كيف له) [16] .
وقال الرضا (ع) (المشية والإرادة والإبداع أسماؤها ثلاثة ومعناها واحد) .
ولما سئل بكير بن أعين الإمام الصادق (ع) ( علم الله ومشيئته هما مختلفان أو متفقان ؟ فقال : العلم ليس هو المشيئة ألا ترى أنك تقول : سأفعل كذا إن شاء الله ولا تقول : سأفعل كذا إن علم الله فقولك إن شاء الله دليل على أنه لم يشأ فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء وعلم الله السابق للمشيئة ) [17] . وهذا بدليل الحكمة .
وأما بدليل المجادلة :
دليل المجادلة : هو مثل ما قرره أهل المنطق من المقدمات وكيفية الدليل وما ذكره أهل الأصول وغيرهم من الأدلة وكيفية الاستدلال على نحو لا يكون فيه إنكار حق . [18]
وعلى كل حال ، قال قائل بقدم الإرادة والمشيئة لوجهين :
الأول: أن الإرادة لو كانت حادثة لكانت محدثة بإرادةٍ غيرها وتلك الإرادة إن كانت حادثة لكانت محدثة بإرادة أخرى ، ويلزم التسلسل فيجب أن تكون قديمة .
والثاني: أن الإرادة صفة والصفة لا تقوم بنفسها ولا بغير موصوفها ، فلو كانت حادثة لكان تعالى محلاً للحوادث وهو باطل فيجب أن تكون قديمة .
فالجواب عن الأول: ما قال الإمام الصادق (ع) ( خلق الله المشيّة بنفسها ، ثم خلق الأشياء بالمشيّة ) [19] . فالإرادة التي هي المشيئة محدثة بنفسها مثل كل فعل من عالم الغيب ، كالنية فإن المصلي مثلاً يحدث النية بنفسها لا بشيء آخر سابق عليها ، أو مثل كل فعل من عالم الشهادة ، كحركة اليد فإنها محدثة بنفسها لا بحركة سابقة عليها ، فلا يلزم من ذلك التسلسل وهذا واضح ومن البديهيات .
والجواب عن الثاني : عن كون الإرادة صفة والصفة لا تقوم بنفسها ، فغير مسلم فإن كل شيء من الخلق صفة فعل الله تعالى ، وجميع ما تعلق و قام بهذا الفعل من الذوات والجواهر المخلوقة قائمة بنفسها ؛ لأن كل مخلوق وكل معلول جوهري قائم بنفسه وهو صفة علته الذي هو الفعل .
وأما أن الصفة لا تقوم بغير موصوفها فغير مسلم أيضاً ، فإن كل صفة قائمة بموصوفها قيام صدور [20] فهي قائمة بغير موصوفها ، كالأشعة هي صفة للسراج أو ضوء الشمس أو القمر ، وهي في نفس الوقت قائمة بالجدار ، وكذلك الكلام صفة للمتكلم وهو قائم بالهواء ، والإرادة من هذا النوع ، فإن الله تعالى أقامها بنفسها كالشمس مثلا وأقام الشيء قيام صدور بها كما أقام الأشعة بضوء الشمس ، وقيام ركني بنفس ذلك الشيء أي بمادته .
وأما أنه لو كانت حادثة كان تعالى محلاً للحوادث فهو حق ، ولكنه تعالى أيضاً كما لا يجوز أن يكون محلاً للحوادث ، فكذلك لا يجوز محلاً للقدماء .
فإن قلت يجوز في القديم ذلك لأنها ذاته .
قلنا لو كانت ذاته كان حقاً ولكنها غيره لأنها مفهوم معلوم مدرَك لأنها – أي الإرادة – ميل الذات والذات لا تكون ميلاً لنفسها وإلا لحصل التغاير والتعدد .
وإن قلت أنها غير مدركة .
قلنا لك فلم سميته بما لم تدركه ولم يسمي به نفسه .
فإن قلت قد سمَّى نفسه بكونه مريداً .
قلنا إنما سمى نفسه بكونه فاعلاً بها كما قال تعالى ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) ، وإرادته هي أمره المعبر عنه بـ (كن) .
خلاصة القول في هذا الكلام أن المشيئة والإرادة : كلمتان واضحتان ، لا تحتاجان إلا التعبير والتفسير وهما بمعنى واحد إذا جاءت كل منهما دون صاحبتها ، وأما إذا جاءتا في محل واحد ، فالمشيئة بمنزلة القصد ، والإرادة بمنزلة التصميم والإقدام على العمل ، فإذا اجتمعتا افترقتا في المعنى وإذا افترقتا اجتمعتا فيه .
هذا آخر ما أردنا كتابته في هذا المقال ، ونسأل من المولى الكريم أن ينفعنا بما علّمنا إنه مجيب سميع الدعاء ، ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين) .
ا[1] لسان العرب مادة (رود ) ص 191.
ا[2] كتاب التعريفات للجرجاني ص 15 .
ا[3] شرح المصطلحات الكلامية (إعداد قسم الكلام في مجمع البحوث الإسلامية ص 14،15) .
ا[4] نفس المصدر السابق .
ا[5] وهذه الأقوال الثلاثة مقتبسة من روايتين الرواية الأولى نصها معنعنة إلى عاصم بن حميد عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت : لم يزل الله مريداً ؟ قال : إن المريد لا يكون إلا والمراد معه ، لم يزل الله عالماً قادراً ثم أراد . والرواية الثانية عن صفوان بن يحيى قال قلت لأبي الحسن (ع) أخبرني عن الإرادة من الله ومن الخلق ؟ قال : فقال : الإرادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل وأما من الله تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك لأنه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر .. الخ . أصول الكافي ج1 ص163 .
ا[6] سورة يس آية ( 81 ) .
ا[7] الاحتجاج للطبرسي ص 180-183 ونقلها الشيخ الصدوق في التوحيد ص 338 ، وفي عيون أخبار الرضا ج2 ص162 .
ا[8] سورة النحل 125 .
ا[9] شرح الفوائد ص7 .
ا[10] سورة فصلت 53 .
ا[11] التوحيد : 438 ، باب 65/1 .
ا[12] سورة المائدة 41 .
ا[13] سورة البقرة 185 .
ا[14] التعلق : هو الذي يربط بين المريد والمراد هنا ، أي هو النسبة بينهما . والمتعلق : هو المراد أي هو المخلوق هنا .
ا[15] المقصود من الصعود والنزول هنا صعود ونزول في الرتبة وليس في المكان .
ا[16] الكافي ج1 ص163 .
ا[17] المصدر السابق .
ا[18] شرح الفوائد ص14 .
ا[19] التوحيد ص 148.
ا[20] القيامات أربعة :
ا1- القيام الصدوري : وهو قيام الأثر بفعل المؤثر وليس بينهما فصل ولا وصل ، لأن الفصل يستدعي وجود واسطة وهي تمنع من صدوره ، والوصل يقتضي الوحدة ، فلا يكون المؤثر مؤثراً ولا الأثر أثراً . ومثال ذلك قيام الأشعة بضوء الشمس .
ا 2- القيام الركني (أو التحققي): وهو أن يكون المقوِّم ركن المتقوم . كقيام المركب بأجزائه .
ا 3- القيام الظهوري : وهو أن يكون المقوم مظهراً للمتقوم كقيام نور الشمس بالجدار .
ا 4- القيام العروضي : وهو قيام الأعراض بالجواهر . كقيام الألوان بالأجسام .
ا كتاب المخازن لميرزا حسن كَوهر ص14-15 .
|