هل الإنسان : حيوان ناطق ؟!
خادم الأحسائي

لقد جرت حكمة الشيخ منذ بدأها على أساس عرض ما يدركه العقل ، وما يظهر للناظر في الكشف على الكتاب والسنة ، وجعلتهما المعلم والمصحح والحاكم للعقل والكشف .

فالكتاب والسنة (النقل) والعقل والكشف ، هذه العناصر الثلاثة من جملة ما اعتمدت عليها حكمة الشيخ أعلى الله مقامه ، وهو كما قلنا لم يجعل هذه العناصر الثلاثة متساوية في الاعتماد عليها ، بل كما تقدم من أنه جعل للكتاب والسنة الصدارة والحكمية على بقية العناصر. فهو يحلل ويمحص كل ما يدركه العقل أياً كان أصله وأياً كان مصدره ، إلا أن يكون أصله ومصدره روايات أهل البيت عليهم السلام ، فهو حينئذ في مقام السنة .

ومن جملة الأمور التي حللها الشيخ قدس سره الحكمة والفلسفة اليونانية ، وغيرها . فقد وجد من واجبه أن يقوم بدراستها وتحليلها ، وطرحها إن كانت تعارض الكتاب والسنة ، وليس الغرض التدخل في ما لا يعنيه ، بل لأنها دخلت في الحكمة الإسلامية وترسبت بها فلم ير إلا أن ينقحها بروايات أهل العصمة عليهم السلام .

ومن هذه الأمور ما عند المناطقة من أن :

الإنسان هو : حيوان ناطق .

حيث تصوروا – المناطقة – واعتبروا أن الحيوان هو المتحرك بالإرادة ، وجعلوا هذا المفهوم جنساً شاملاً لجميع الحيوانات وميزوا كل نوع من الأنواع الداخلة في هذا الجنس بالفصل . كالفرس فإنهم ميزوه بالصاهلية ، والأسد مثلاً ميزوه بالزائرية وغيره ، وميزوا الإنسان أيضاً بالناطقية حيث اعتبروه داخلاً في الجنس مع بقية الأنواع ومتميزاً عنهم بالفصل وهو الناطقية .

ولكننا إذا نظرنا إلى الآيات والروايات نجدها تدل على أن الإنسان لا يمكن أن يكون مشتركاً مع غيره من الحيوانات في الجنس ؛ لأنه أعلى وأكرم منها .

فنجد الله في كتابه يقول : (( الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون )) [1] وقال أيضاً : ((والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون )) [2] وقال أيضاً في نفس السورة : (( وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طريا )) [3] . وغيرها من الآيات التي نطق بها القرآن الكريم ، التي لو نظرنا لها لرأيناها تدل على أن الحيوان مسخر للإنسان ، فهو يأكل منه ويركب عليه وغيره ، فإذا كان من جنسه فعلى أي أساس فضله الله عليه ، وجعل له السلطة عليه ؟! .

فإذا قلنا بأن هذا عبثاً فالله أجل وأعلى من أن يكون عابثاً ، والعبث ظلم ، والله هو القائل في كتابه : ((وما ربك بظلام للعبيد)) [4] ، وقال تعالى أيضاً : ((فقالوا أرنا الله جهرةً فأخذتهم الصاعقة بظلمهم )) [5] وقال أيضاً : ((تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلماً للعالمين )) [6] فهذه الآيات تدل على أن الله لا يحب الظلم بل يعذب ويعاقب عليه ، فكيف يظلم بتفضيل بعض مخلوقاته على بعض من دون مسوغ ومرجح وهو القائل : ((وما الله يريد ظلماً للعالمين))

وخلاصة القول في هذا المقام أنه لا بد من سبب يجعل الإنسان يفضِل الحيوان ، فلا يكون من جنسه . وهنا لا بد من إيراد بعض الروايات :

ورد أن أعرابياً سأل أميرالمؤمنين u عن النفس فقال له أمير المؤمنين u : (عن أي الأنفس تسأل ) فقال الأعرابي يا مولاي هل النفس عديدة ؟ فقال u (نعم . نفس نامية نباتية ونفس حسية حيوانية ونفس ناطقة قدسية ونفس إلهية ملكوتية ) فقال الأعرابي وما النباتية ؟ فقالu : (قوة أصلها الطبائع الأربع بدء إيجادها عند مسقط النطفة مقرها الكبد ، مادتها من لطائف الأغذية ، فعلها النمو والزيادة ، وسبب فراقها اختلاف المتولدات ، فإذا فارقت عادت إلى ما منه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة ) فقال الأعرابي يا مولاي وما النفس الحيوانية ؟ فقال u : (قوة فلكية وحرارة غريزية أصلها الأفلاك بدء إيجادها عند الولادة الجسمانية ، فعلها الحياة والحركة والظلم والغشم والغلبة واكتساب الأموال والشهوات الدنيوية ، مقرها القلب سبب فراقها اختلاف المتولدات ، فإذا فارقت عادت إلى ما منه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة ، فتنعدم صورتها ويبطل فعلها ووجودها ، ويضمحل تركيبها ) فقال الأعرابي يا مولاي وما النفس الناطقة القدسية ؟ فقال u : (قوة لاهوتية بدأ إيجادها عند الولادة الدنيوية ، مقرها العلوم الحقيقة الدينية ، موادها التأييدات العقلية ، فعلها المعارف الربانية ، فراقها عند تحلل الآلات الجسمانية ، فإذا فارقت عادت إلى ما منه بدأت عود مجاورة لا عود ممازجة) فقال الأعرابي يامولاي وما النفس اللاهوتية الملكوتية فقال u : (قوة لاهوتية وجوهرة بسيطة حية بالذات أصلها العقل منه بدأت وعنه وعت وإليه دلت وأشارت ، وعودتها إليه إذا كملت وشابهته ، ومنها بدأت الموجودات وإليها تعود بالكمال ، فهي ذات الله العليا وشجرة طوبى وسدرة المنتهى وجنة المأوى ، من عرفها لم يشق ومن جهلها ضل سعيه وغوى ) [7] .

وعن كميل بن زياد أنه قال : سئلت مولانا أميرالمؤمنين علياً u فقلت : يا أمير المؤمنين أريد أن تعرفني نفسي . فقال ياكميل وأي الأنفس تريد أن أعرفك ؟ قلت : يا مولاي هل هي إلا نفس واحدة ؟! قال : يا كميل إنما هي أربعة : النامية النباتية و الحسية الحيوانية والناطقة القدسية والكلية الإلهية . ولكل واحدة من هذه خمس قوى وخاصيتان . فالنامية النباتية لها خمس قوى : ماسكة وجاذبة وهاضمة ودافعة ومربية ولها خاصيتان : الزيادة والنقصان . وانبعاثها من الكبد . والحسية الحيوانية لها خمس قوى : سمع وبصر وشم وذوق ولمس ، ولها خاصيتان : الرضا والغضب . وانبعاثها من القلب . والناطقة القدسية لها خمس قوى : فكر وذكر وعلم وحلم ونباهة ، وليس لها انبعاث ، وهي أشبه الأشياء بالنفس الفلكية ، ولها خاصيتان : النزاهة والحكمة . والكلية الإلهية لها خمس قوى : بهاء في فناء ونعيم في شقاء وعز في ذل وفقر في غناء وصبر في بلاء . ولها خاصيتان الرضا والتسليم ، وهذه التي مبدئها من الله وإليه تعود قال الله تعالى (ونفخت فيه من روحي) وقال تعالى : (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربكِ راضيةً مرضية) والعقل في وسط الكل ) [8]

فتبين لنا من هاتين الروايتين أن النفس ليست واحدة ، وإنما هي عديدة ، والنفس النباتية والحيوانية والناطقة ، هذه الثلاث موجودة في الإنسان ولكن وجود الأوليتين فيه بالعرض ، يعني لكي يؤدي ما عليه من التكاليف لا بد أن يظهر بهما ، وأما حقيقته فهي النفس الناطقة ، وهذا ما نلحظه من كلام أمير المؤمنين u للأعرابي حيث يقول مثلاً في الحيوانية : (قوة فلكية وحرارة غريزية أصلها الأفلاك ، بدء إيجادها عند الولادة الجسمانية ، فعلها الحياة والحركة والظلم والغشم … ) الخ . فهذا التعريف من الإمام يدلنا على أن هذه الأشياء ليست مناط التكليف فهي تفعل الحركة والظلم وغيرها ، ولكن لو نظرنا إلى تعريف النفس الناطقة كما قال u ( قوة لاهوتية .. مقرها العلوم الحقيقة الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف ..) الخ. فالعقل هو مناط التكليف وليس غيره . وليس قولنا هذا يعني أن غير الإنسان غير مكلف ؛ لأنه لا يملك عقلاً ، لا . بل إن كلاً بحسبه وعلى حسب قابليته يكون تعقله وإدراكه .

فالنفس الناطقة القدسية هي أعلى من الحيوانية والنباتية وأرفع منهما ، وذلك مقتبس من روايات أهل بيت العصمة عليهم السلام .

كيف لا يكون الإنسان حيوان ناطق ؟!

في مدرسة الشيخ أن الله لما خلق النفس الناطقة القدسية في عالمها ، تنـزلت وتنـزلها يعني تعلقها بالقيود الستة (الكم والكيف والرتبة والجهة والمكان والزمان) .

فلما تنـزلت حصلت لها شؤنات وتطورات ، وهذه التطورات والشئون على قسمين :
1- قشري .
2- أثري .

أما التنـزل القشري فهو عبارة عن تفصيل المجمل أو هو ما لا يكون أحدهما أثراً والآخر مؤثراً ، يعني لا علة ولا معلول .

فالفؤاد (حقيقة النفس) تنـزل إلى عالم العقل – وهو عالم مقيد بالنسبة إلى عالم الفؤاد – فلبس ثياب ذلك العالم وهذا العالم فيه تفصيل أكثر من عالم الفؤاد . ثم تنـزل إلى عالم الروح وهذا أكثر تفصيل من قبله ، ثم تنزل إلى عالم النفس وهو أيضاً أكثر تقيد وتفصيل ، والنفس هي هي لم تتغير ولكن كلما تنـزلت إلى عالم تقيدت بذلك العالم . فعالم العقل ليس علة لعالم الروح إنما فقط تنـزل من مجمل إلى تفصيل . بعبارة أخرى هي سلسلة عرضية فالسلسلة العرضية ليس فيها علة ومعلول .

فإذا اجتمعت هذه الثلاثة (العقل والروح والنفس) سمي بالإنسان الغيبي ، وإذا تنـزلت –النفس- إلى المثال والطبيعة والمادة ، واجتمعت الستة مع الفؤاد تكون سبعة ويسمى بالإنسان الظاهري وهو المشاهد .

وأما التنـزل الأثري فهو مغاير للقشري أي أن هناك علة ومعلول . فالله لما خلق النفس الناطقة وتنـزلت إلى مراتبها القشرية وتطوراتها الذاتية ووصلت إلى الكمال ، تمكنت من ابعاث إشراقات ، هذه الإشراقات خلقت منها النفس الحيوانية وتكونت . فالنفس الحيوانية من شعاع النفس الناطقة القدسية ؛ لأنها معلول لها فهي أثر للنفس الناطقة فلا تصل إلى رتبتها .

والنفس الناطقة لا تقبل صور الحيوانات لعلو رتبتها عن تلك الصور ، ولأن تلك الصور آثار صورتها والشيء لا يجري عليه لذاته ما هو أجراه ، قال تعالى : ( وما منا إلا وله مقام معلوم) وقال أمير المؤمنين u : ( إنما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلات إلى نظائرها ) .

نعم . إذا حصل للنفس الحيوانية أو الناطقة رياضة أو تصفية عند ذلك يمكن لها أن تكمل وتشابه علتها وهو نهاية سيرها كما في الحديث القدسي ( عبدي أطعني تكن مثلي أقول للشيء كن فيكون أجعلك تقول للشيء كن فيكون ) وقال أمير المؤمنين u : ( وخلق الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكاها بالعلم والعمل فقد شابهت جواهر أوائل عللها وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد ) .

صفوة القول أن الأنفس ليست واحدة وليست في رتبة ، ولهذا فإن المناطقة لما قالوا بذلك –الإنسان حيوان ناطق - لم يفهموا منه إلا الاشتراك في الجنس مع جميع الأنواع إلا أن :

  1. حياة الإنسان في مقام الإنسانية هو عين الإنسانية وليست هي من نوع الحيوانات ، والحياة التي في الحيوانات أثر لحياة الإنسان ولا يلزم كون كل من كان حياً أن يشارك الحيوانات في الحياة ؛ لأن الله سبحانه حي وليس مشاركاً للحيوانات . فكذلك هذه الحياة ( حياة الإنسان والحيوان ) .

  2. أن الله لما أطلق لفظ الحيوان على الإنسان أطلقه في زمن غير زمن الحيوان المعروف عند المناطقة ؛ لأن الإنسان وجد قبل الحيوان كما تقدم في السلسلة الطولية (التنـزل الأثري) فلا يلزم من ذلك أن يكون مشاركاً له ، فزمن هذا غير ذاك * .

ثم لا نذهب بعيداً فالقرآن صريح بذلك كما قال تعالى : ( وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ) .

فقد قال تعالى بأن هذه الحياة التي نعيشها ما هي إلا لهو ولعب ، فلم يعتبرها حياةً أمام الحياة الأخروية . فالحياة الحقيقية هي في الآخرة ، وأما هذه الحياة مع أنه أطلق عليها لفظ (الحياة) إلا أنه عدها لهواً ولعباً أمام حياة الآخرة .

هذا وقد يستشكل أحدنا ويقول إن مقصد المناطقة من حياة الإنسان وغيره هو مطلق الحياة ، وليس مشاركاً للحيوانات في الجنس . فنقول إن كان هذا مقصد المناطقة فلا إشكال فيه ، ولكننا نعلم أن مقصدهم هو أن يكون الإنسان مشاركاً للحيوان في الجنس .

عمدة القول أن الإنسان هو حقيقة من ربه وهو النفس الناطقة القدسية . وأما أنه حيوان ناطق ، أي أنه مشترك مع الحيوان في الجنس فهو كلام غير مقبول عند أهل بيت النبوة وموضع الرسالة عليهم السلام .


ا[1] سورة غافر آية 79.
ا[2] سورة النحل آية 8 .
ا[3] سورة النحل آية 14.
ا[4] سورة فصلت آية 46.
ا[5] سورة النساء آية 153.
ا[6] سورة آل عمران آية 108.
ا[7] شرح المشاعر ص 667
ا[8] البحار ج 58 ص 84 - 85


القرآن الكريم   -   السنة المطهرة   -   الحكمة   -   الفقه وأصوله  -   الأخلاق  -   الأدب  -   أشياء أخرى
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي - تصميم وتطوير تصميم وتطوير بيان ميديا