خروج الحسين بن علي عليهما السلام .. ضرورة لا مفر منها
8 / ذو الحجة / سنة 60 هجري
بقلم : الأستاذ ميرزا صالح باقر السليمي

كان خروج الحسين بن علي (عليه السلام) إلى العراق مناضلاً ضد الظلم والطغيان ضرورة دينية وسياسية واجتماعية لا غنى عنها . ولم تكن الشخصيات الإسلامية المرموقة المعاصرة له مؤهلة مثله لإدارة الصراع بين الحق والباطل . فحين هلك معاوية بن أبي سفيان كانت عيون المسلمين من المهاجرين والأنصار والتابعين من أبنائهم ، وعلى اختلاف مذاهبهم وأهوائهم ، تتجه إلى واحد من أربعة ، هم الحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير . فكان هؤلاء الأربعة يمثلون - في نظر عامة المسلمين آنذاك - البقية الصالحة من الصحابة والتابعين ، وكان المسلمون يحفظون لهم ما كان لآبائهم من فضل الصحبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما كان لهم من سابقة في الإسلام وجهاد في سبيل الله تعالى وما كان من سيرتهم بالمسلمين حين استخلفوا وقيادتهم إياهم إلى الحجة ،فلم ينكروا منهم شيئاً خالفوا فيه الكتاب والسنة أو تنكبوا فيه سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكانت فضائل الآباء هذه تضاف إلى رصيد الأبناء ، فتقربهم من مركز اهتمام المسلمين بهم وتزيد فيهم فرص الترشيح للخلافة إذا شعرت بموت معاوية بن أبي سفيان .

وكان معاوية قد لاحت إليه أن يحوز الخلافة لابنه يزيد ، ثم يجعلها وراثة في آل أبي سفيان تنتقل بينهم من سيد منهم إلى آخر ، فنشط في ذلك نشاطاً ملحوظاً وأخذ بالتمهيد لهذه الفكرة وأعد العدة لقبول المسلمين بها في حياته وبعد موته . وما كان يخشى أحداً من المسلمين كخشيته من أولئك الأربعة الذين تقدم ذكرهم لما كان يعرف عنهم من شدة الشكيمة وقوة العارضة وصلابة الرأي ، وكان الحسين (عليه السلام) أشدهم عليه وأرهقهم له وأصلبهم ضده ، كما كان في نظر المسلمين أجدرهم بالخلافة و أوفرهم حظاً لها . فقد كان المسلمون يحفظون للحسين أنه ابن رابع الخلفاء الراشدين ، وكان أخوه الحسن بن علي عليهما السلام خامس الخلفاء الراشدين قبل أن يتنازل عنها إلى معاوية في صلح وقع بينهما . ويحفظون للحسين فوق ذلك وقبله أنه ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأشبه الناس به خَلْقاً وخُلُقاً ومنطقاً ، فما كان على وجه الأرض بعد وفاة الحسن سبط نبي غير الحسين (عليه السلام) ، هذا بالإضافة إلى ما كان يتمتع به الحسين من صفات شخصية وسجايا ذاتية تشد المسلمين إليه وتحصر فيه الولاية والإمامة له عليهم .

وكان المسلمون يعرفون ببداهتهم أن أمية لا تترك الخلافة تخرج من أيديهم إلى غيرهم دون مقاومة مسلحة عنيفة يهون معها ما كان من حروب مع معاوية في الإسلام وما كان من أبي سفيان في الجاهلية . وما كان غير الحسين (عليه السلام) قادراً على مقارعة أمية عندما يشتد الأمر ويحمى وطيس التنافس ويصير الاحتكام إلى السيف ضرورة لا مفر عنه ولا مناص إلا إليه . فقد كان له أنصار في العراقيين ، الكوفة والبصرة ، أشداء ذوو مراس شديد ورأي حصيف في الحروب والسياسة ، نذكر من الكوفيين منهم سليمان بن صرد الخزاعي والمختار بن أبي عبيدة الثقفي وهاني بن عروة زعيم مذحج الذي كان ينقاد إليه منهم أربعة آلاف مقاتل ، وحبيب بن مظاهر الأسدي ومسلم بن عوسجة ، وغيرهم من رجالات الكوفة ، ونذكر من أهل البصرة الأحنف بن قيس الذي كان إذا غضب غضب له أربعون ألفاً لا يسألونه لم غضب ، فكان زعيم بني تميم المطاع وسيدهم الأوحد ، وعمر بن الجارود وعبدالله بن معمر ، وأخوه مسعود وغيرهم من رجالات البصرة و أعيانهم كثير . هذا بالإضافة إلى ما كان يحرزه الحسين (عليه السلام) من قبول كاسح من أهل الحجاز عامة ومن أهل اليمن كافة ، كما كان هوى فارس وخراسان وهوى المصريين وأهل المغرب مع أهل البيت عليهم السلام ، وما كان سيدهم غير الحسين بن علي عليهما السلام .

وكان المسلمون قد حاولوا أن يبايعوا الحسين في زمن أخيه الحسن مرتين ، مرة بعد مقتل أبيه فأبى أن يبايع له وأخوه الحسن موجود ، وكانت له الأخرى بعد أن صالح الحسن معاوية وتنازل إليه عن الخلافة بشروط ، فقد أتاه جماعة من أهل الكوفة منهم سليمان بن صرد الخزاعي وعرضوا عليه البيعة له فأبى وقال لهم فيما قال : والله لقد كنت طيب النفس بالموت حتى عزم عليّ أخي الحسن وناشدني في الله أن لا أنفذ أمراً ولا أحرك ساكناً فأطعته وكأنما يجدع جادع أنفي بالسكاكين أو يشرح لحمي بالمناشير فأطعته كرهاً، وقد قال الله وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ، والآن كان صلحاً وكانت بيعة ولننظر ما دام هذا الرجل - يعني معاوية - حياً ، فإذا مات نظرنا ونظرتم .

وكان معاوية يخشى بعد وفاة الحسن أن ينقض الحسين عهد أخيه إليه ويتحلل من صلحه له بموته ، فكان ينفذ إليه الرصد بعد وفاة أخيه الحسن ويحسب عليه تحركاته وتصرفاته ، فيبث العيون حوله ويرسلهم إلى مجلسه ، فينقلون إليه أخباره ويعرف منهم من يختلف إليه ويتردد عليه من أصحاب السطوة والجاه فيأمن بذلك أن يأخذ على غرة أو أن يفاجئ بما يكره منه . يظهر هذا من كتاب وجهه معاوية إلى الحسين مزج له التهديد بالتكريم والوعد بالوعيد كدأبه في سياسة الرجال ، فقد جاء فيه " أما بعد فقد بلغني عنك أمور وأسباب قد انتهت إلي وأظنها باطلة ، ولعمري إنه إن كان قد بلغني عنك كما ظننت فأنت بذلك أسعد وبعهد الله أوفي ، فلا تحملني على أن أقطعك ، فإنك متى تكدني أكدك ومتى تكرمني أكرمك ، ولا تشق عصا هذه الأمة وقد خبرتهم وبلوتهم فانظر لنفسك ولدينك .

وقد أجابه الحسين بكتاب قال فيه : معاذ الله أن أنقض عهداً عهده إليك أخي الحسن وأما ما ذكرت من الكلام فإنه أوصله إليك الوشاة الملقون بالنمائم والمفرقون بين الجماعات ، فإنهم والله يكذبون " . ومع أن هذا الكتاب يطمئن معاوية على ما كان يخشاه من نقض الصلح إلا أنه لا يتضمن قبولاً من الحسين لمن قد يخلف معاوية من بني أمية ممن لا عهد له عليه كيزيد ، فما كان معاوية إذن بمنأى من أن يطاله احتجاج الحسين (عليه السلام) إذ نصب للخلافة ابنه يزيد من بعده وكان هذا الأمر ما يقض مضجع معاوية ويشد أعصابه ويؤرق عليه نومه .

ثم إن يزيد لم يكن يوزن بالحسين (عليه السلام) نسباً ولا أدباً ولا تقوى ، فكانت المقايسة بينهما مقايسة غير منطقية وكان التفاضل بينهما تفاضلاً سمجاً تأباه العقول وتمجه الطباع ، فقد كان التفاوت بينهما مثل ما كان بين علي بن أبي طالب وخصومه "ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير" . وكان هذا التفاوت مما لا يخفى على معاوية نفسه . فقد روى الكليني وصية معاوية لما حضرته الوفاة إلى ولده يزيد وكان غائباً عنه ، فدعا بدواة وبياض وكتب إليه كتاباً جاء في آخره " واعلم يا بني أن أباه - يعني الحسين عليه السلام - خير من أبيك وجده خير من جدك وأمه خير من أمك ، وللمرء ما بقلبه ، وهذه وصيتي إليك والسلام ".

فالتقط يزيد الإشارة وفهم العبارة ، فما كان أعجله في أخذ البيعة لنفسه عن طريق ولاة أبيه بعد موته . فقد مات معاوية منتصف رجب وكانت ولاته تأخذ البيعة لابنه يزيد في الأمصار البعيدة عن الشام منتصف شعبان ، وكانت المدينة ضمن الأمصار التي طلبت البيعة من أهلها ليزيد على وجه السرعة وبالإكراه إن تعذر فيها الاختيار ، وكان الحسين مطلوباً منه أن يبايع أو يقتل . فقد أنفذ يزيد إلى الوليد بن عتبة - وكان والياً على المدينة من قبل معاوية - كتاباً يقول فيه " إذا قرأت كتابي هذا خذ لي البيعة على من قبلك عامة وعلى هؤلاء الأربعة خاصة ، وهم عبد الرحمن بن أبي بكر و عبدالله بن عمر و عبدالله بن الزبير والحسين بن علي ، وأنفذ كتابي إليهم ، فمن لم يبايعك فانفذ إلي برأسه مع جواب كتابي هذا والسلام" .

ولم يرد يزيد في هذا الكتاب إلا رأس الحسين خاصة ، فقد عرف أن الثلاثة الآخرين لا يتوقون إلى الخلافة ما دام الحسين موجوداً ولقرابته من رسول الله وخاصته في الإسلام وما يتمتع به من مزايا ذاتية يتفرد بها هو ، بل إن عبدالرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر لم يكونا يسعيان إليها أصلاً لانشغال الأول بدنياه وانشغال الثاني بآخرته، على حد تعبير معاوية في وصية منه إلى يزيد.

وقد برم المسلمون بحكم آل أبي سفيان وكرهوا خلافتهم وولايتهم لأمور المسلمين واستبدادهم على رقابهم وأموالهم وباتوا تواقين لاستبدال نظام ملكهم العضوض بنظام خلافة راشدة يعيد إليهم شرف الاحتكام إلى القرآن والاستنان بسنة رسول الله . فقد شاعت المنكرات والبدع في الإسلام منذ مستهل العصر الأموي في الإسلام ، فقد حل في هذا العصر التعصب القبلي والعرقي والإقليمي محل العصبية الدينية وصار التفاخر بالنسب بديلاً عن التفاخر بالدين والأدب ، وكان القصر الأموي يغذي هذه العصبية المبتدعة وينفق على شعرائها وخطبائها الأموال الكثيرة ويقيم لها الموائد الفخمة ويعقد لها المنتديات العامرة ، كل ذلك من بيت مال المسلمين وعلى حساب دينهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم ، فتفرقت كلمة المسلمين بين العروبيين والشعوبيين وتوزعت انتماءاتهم بين اليمانيين والحجازيين والقحطانيين والعدنانيين ، وصار المسلمون عراقيين وشاميين وعرباً وعجماً ، وصار الشعراء والقصاصون والخطباء يتبارون في ذكر مثالب هؤلاء أو مناقب أولئك . أما المال العام فلم يخضع إنفاقه ولا جبايته لأي قاعدة إسلامية ثابتة أو نص تشريعي مأثور ، فقد صارت الأهواء وإرادة السلطان والأمراء هي المبررات السائدة لتصريف الأموال العامة ، فظهر بسبب هذا النمط من التصرف في الأموال العامة فئة قليلة من العلية لا عهد للمسلمين بها ، أثرت ثراءاً فاحشاً ، ملكت به القصور الشامخة والدور الواسعة والمنتجعات والمصايف والمشاتي الفاخرة والخيول والدواب الفارهة ، فتكونت منها طبقة متميزة إلى جانب طبقة أخرى تتألف من عامة المسلمين محرومة من كل شيء مسحوقة إلى العظام منهوكة حتى النخاع . ومن عجب الحرمان الذي عم المسلمين الذي لا يكاد يصدق أن عبيد الله بن زياد تمكن أن يغري العراقيين لحرب الحسين عليه السلام بثمن بخس ، بالصاع والصاعين والمد والمدين من بر أو شعير أو تمر . هذا بالإضافة إلى ما كان سائداً في هذا الوقت من سلوكيات يحرمها الإسلام ويعدها من كبائر الذنوب ، مثل انتشار المجون والفجور وشرب الخمور وقتل النفس المحرمة وتفشي السرقات والحرابة واضطراب الأمن العام .

في ظل هذه الأحوال كان لا مناص من أن تنهض شخصية إسلامية فريدة مثل الحسين (عليه السلام) ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويدعو إلى الإصلاح ما استطاع إليه سبيلاً وليقيم الدين الإسلامي على قواعده العريقة من جديد . على أن مسألة الانحراف في نظام اختيار الخلافة وحدها كانت كافية لتبرير النهضة الحسينية ، فقد أريد للخلافة أن تكون وراثية يرثها سيد بعد سيد من بني أمية ، ولم يكن اختيار يزيد للخلافة من قبل معاوية إلا لأنه ابنه و سليل آل أبي سفيان ، فلم يكن ليزيد سابقة في الإسلام ولا نظر في سياسة ولا تقوى في دين ، وهذا ما لم يكن للمسلمين به عهد ولم يكونوا مستعدين لقبوله ، فكان ترشيحه للخلافة في نفسه أمراً مثيراً للفتنة بين المسلمين ، مفرقاً لكلمتهم ، شاقاً لعصا جماعتهم، وما كان غير الحسين ( عليه السلام ) أهلاً للنهوض بالإصلاح المنشود القادر على إعادة الأمور إلى نصابها بعد ذلك الانسياب الفاضح . قال الحسين (عليه السلام) في أحد خطبه : " لم أخرج أشراً ولا بطراً وإنما خرجت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلباً للإصلاح ما استطعت إليه سبيلاً وإقامة دين جدي رسول الله ".

ويظهر من أدبيات السيرة الحسينية أن الحسين عليه السلام كان يعول في خروجه على يزيد على مكانته المرموقة بين المسلمين وعلى نصرة العراقيين له ، وزخم الرأي العام المسلم المناهض لحكم بني أمية والمؤيد لحكومة العلويين من هاشم . وتدل الأحداث على صواب رأي الحسين وبعد نظره وثقابة حكمه ، إلا أن عبيد الله بن زياد أجهض هذا كله بسرعة الحركة وأخذ زمام المبادرة بيده فقلب على الحسين ظهر المجن وخطف منه النصر ، فلو أمهله بنو أمية قليلاً لكان قد تحقق للحسين النصر عليهم وتم له ما أراد ، فلقد كان ما يحتاج إليه الحسين شيئاً من الوقت يلتقط فيه أنفاسه وتتفاعل دعوته في قلوب الناس ويعد للنزال مع بني أمية عدته حين لا مناص من منازلتهم . وقد ضم يزيد إلى عبيد الله بن زياد - وقد كان واليه على البصرة - ولاية الكوفة فامتدت بذلك ولايته حتى شملت العراقين وبلاد فارس و خراسان ، فزاد به نفوذه وانبسط سلطانه وقوي بطشه وتضاعفت رهبته في نفوس الناس .

وكان ابن زياد - فوق ذلك - جلاداً لم يعرف المسلمون أفظ منه خلقاً وأغلظ قلباً وأسلط لساناً . وقد أطلق يزيد يديه في رقاب الناس وأموالهم ، فصار يأخذ الناس على الظنة ويقتلهم على التهمة ، فأرهبهم وألبسهم لباس الذل والهوان . وفتح له - من جهة أخرى - باب بيت مال المسلمين على مصراعيه ، فصار يوزع الأموال يميناً وشمالاً على أشراف الناس وأعيانهم ، فإذا عجز بيت المال من تسديد الحساب عداً ونقداً صار يسدده ديناً وعهداً يقطعه على نفسه أو على السلطان . فقد وعد عبيد الله عمر بن سعد ، أمير جيشه لقتال الحسين ، خراج الري عشر سنوات ، فلم يستطع عمر وهو سليل سادس المسلمين من مقاومة هذا الإغراء ، فضعفت نفسه ورجحت عنده الدنيا على ثواب الآخرة وفضل النفع العاجل على الربح الآجل ، فبارت تجارته . قال أبو مخنف : " ثم إن ابن زياد نادى من يأتيني برأس الحسين وله ملك الري عشر سنين ، فقام إليه عمر بن سعد وقال أنا لها يا أيها الأمير ، فقال له امض وخذ بكظمه وامنعه من شرب الماء ، فقال له أيها الأمير أمهلني شهراً ، فقال له لا أفعل ، فقال عشرة أيام ، فقال لا أفعل ، فنهض من وقته ودخل منزله ، فدخل عليه أولاد المهاجرين والأنصار وقالوا له يا بن سعد تخرج إلى حرب الحسين وأبوك سادس الإسلام وصاحب بيعة الرضوان ؟ فقال لست أرجع عن ذلك . وجعل يفكر في ولاية الري وقتل الحسين فاختار حرب الحسين سلام الله عليه وكانت جائزة خولى بن يزيد الأصبحي وعداً ببدرة فيها عشرة آلاف درهم ، وغيرهما من أمثالهما كثير . وقد لخص جماعة من المسلمين كانوا قد قدموا من الكوفة فالتقاهم الحسين عليه السلام فقال لهم : " أخبروني ما وراءكم بالكوفة ، فقالوا يا بن رسول الله أما أشراف الناس طمت رؤوسهم بالمال ، و أما سائر الناس فقلوبهم معك و أسيافهم عليك " . والحق إني ما رأيت قولاً أصدق و لا أبلغ و لا أوجز منه لسياسة التـرهيب والتـرغيب التي أخذ بنـو أمية الناس بها إلى حـرب الحسين عليه السلام .

ومع ذلك ، فما كان الناس لتطيب نفوسهم بأن يأثموا بقتل ابن بنت نبيهم ، فكان ابن سعد ، وهو من أغراه ابن زياد بملك الري عشر سنين ، يماطل في منابذة الحسين ويتريث منازلته حتى جاءه كتاب ابن زياد يحثه على سرعة الاشتباك مع الحسين ويهدده بالعزل عن إمارة الجيش إن لم يفعل . قال أبو مخنف " ثم إن ابن سعد عبر الفرات وصار يخرج كل ليلة ويبسط بساطاً ويدعو الحسين ويتحدثان حتى يمضي من الليل شطره " . فلما بلغ ذلك ابن زياد عن طريق عيونه التي بثها في الجيش ، كتب إليه كتاباً جاء فيه على رواية أبي مخنف " يا بن سعد قد بلغني أنك في كل ليلة تخرج وتبسط بساطاً وتدعو الحسين وتتحدث معه حتى يمضي من الليل شطره ، فإذا قرأت كتابي فأمره أن ينزل على حكمي ، فإن أطاع وإلا امنعه من شرب الماء ، فإني حللته على اليهود والنصارى وحرمته عليه وعلى أهل بيته " . وكان ابن سعد يعلم أن في جيشه من يتوق إلى الزعامة وتستهويه الرئاسة ، فلما أراد أن يفقد القيادة ويخسر العطاء العريض ، فصدع بالأمر وأنفذ ما كان يريده من ابن زياد فناجز الحسين حتى قتل بعد ساعات معدودات من المناجزة هو و أصحابه و أهل بيته و أسر وسبي من بقي منهم في الأحياء ليذوقوا ذل الأسر وهوان السبي .

ومما يدل على مكانة الحسين عليه السلام بين المسلمين حتى من اجتمعوا عليه لقتاله ، من أن الفارس منهم إذا شد على كتيبة من الأعداء تفرقوا بين يديه وفروا منه وتدافعوا عنه حتى يسقط منهم العدد الكبير بين قتيل وجريح . وقد ظن بعض الكتاب أن هذه المأثورات مبالغة غير ضرورية عمد إليها رواة السيرة الحسينية ليضفوا على أنصار الحسين بطولات أسطورية مزعومة ، وما في الأمر مبالغة ولا هو من الأساطير في شيء ، ولكن الأعداء كانوا قد جاءوا لقتال الحسين وهم لا يقرون ذلك في قرارة نفوسهم ويعرفون أنهم مأثومون به محاسبون ومعاقبون عليه يوم القيامة ، فكانوا يريدون بفرارهم من البطل المهاجم من أنصار الحسين الفرار من الواقع الذي ألجأهم إليه ابن زياد على كره منهم رهبة من بطشه أو رغبة في عطائه . ولعل الله سبحانه أراد أن تكون واقعة الطف امتحاناً لقلوب المؤمنين واختباراً لصدق نياتهم ، ليميز الله الخبيث من الطيب ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين ) فطوبى لمن نجح في هذا الامتحان وويل لمن سقط فيه .


القرآن الكريم   -   السنة المطهرة   -   الحكمة   -   الفقه وأصوله  -   الأخلاق  -   الأدب  -   أشياء أخرى
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الأوحد أحمد بن زين الدين الأحسائي - تصميم وتطوير تصميم وتطوير بيان ميديا