|
بسم الله الرحمن الرحيم*
ترجمة المؤلف:
هو الشيخ أحمد ابن الشيخ زين الدين ابن الشيخ إبراهيم ابن صقر بن إبراهيم بن داغر بن رمضان بن راشد بن دهيم ابن شمروخ آل صقر المطيرفي الأحسائي.
وفي الأعيان: المطيري أو المطيرفي، ولا نعلم سبباً لهذا الترديد، إذ أنّه منسوب إلى قرية (المطيرفي) في الأحساء.
ولد في قرية (المطيرفي) بالأحساء سنة (1166هـ)؛ في شهر رجب، كما ذكره هو ـ قدس سرّه ـ فيما ترجمه لنفسه، وطُبع في مقدّمة كتابه شرح الزيارة الجامعة.
نشأ في تلك القرية، وتلقّى مبادئ العلوم عن جماعة من الفضلاء كالشيخ محمد بن الشيخ محسن الأحسائي وغيره وفي (1186هـ) هاجر إلى العراق وهو ابن عشرين سنة، فورد كربلاء فالنجف وحضر بحوث الفقه والأصول فيهما، ثم حدث طاعون جارف ألجأ الناس إلى مغادرة الأوطان، فعاد المترجم إلى بلاده، وتزوّج بها، وبعد زمن انتقل بأهله إلى البحرين، وسكنها أربع سنين. وفي (1212هـ) عاد إلى العتبات المقدّسة بالعراق وبعد الزيارة رجع فسكن البصرة في محلّة (جسر العبيد) على عهد حاكمها (الشيخ علوان بن شاوة). وبعد قليل حدثت منافرة بينه وبين الشيخ محمد بن الشيخ مبارك القطيفي الأحسائي، فاضطرّ إلى نزول [الحبارات] من قرى البصرة حيناً ثم نزل قرية يقال لها: (التنومة) ثم (النشوة) من قرى البصرة أيضاً، ثم عرض عليه السيد عبد المنعم بن شريف الجزائري الذي كان من أجلاء تلك الأطراف ومشاهيرها، أن ينزوي في قرية تعود له فحلّها في (1219هـ)، وبقي بها مع أهله سنة كاملة.
وفي (1221هـ) زار النجف مع جمع من أصحابه وزار سائر العتبات المشرفة، ثم عزم على زيارة الرضا عليه السلام، فمرّ بيزد فطلب منه أهلها البقاء عندهم فامتنع ووعدهم بإنجاز طلبهم بعد عودته من الزيارة، وتعرّف على السلطان فتح علي شاه القاجاري، وحلّ داره في طهران فأعزّه وأكرمه وسأله عن مسائل أجاب عنها برسائل مستقلّة ذكرت في تصانيفه، ثم خيّره في سكنى أي بلاد إيران شاء، فاختار يزداً ونزلها بأهله وعياله في (1224هـ) وسكنها مدة، ثم انتقل إلى أصفهان، ثم هبط (كرمانشاه) زماناً.
وفي (1232هـ) حجّ بيت الله الحرام مع جمع من أصحابه، ثم عاد إلى النجف وكربلاء والكاظمين وسامرّاء ثم كرمانشاه موطنه الأخير، وذلك في (1234هـ. وبعد مدة توفي محمد علي ميرزا فاضمحلّت كرمانشاه فهاجر إلى قزوين ثم طهران وشاه عبد العظيم ثم خراسان ثم طبس ثم أصفهان ثم كرمانشاه.
وبعد كل ذلك عزم على مجاورة المشاهد المشرفة بالعراق، فقصد كربلاء، وبعد قليل عزم على الحجّ ثانياً، ولما وصل دمشق مرض وأخذ حاله بالتّنازل، وتوفّي بمنزل (هدية) قبل وصوله المدينة بثلاث مراحل، وذلك في يوم الأحد، الثاني من ذي القعدة، من سنة (1241هـ). فنقل إلى المدينة ودفن في البقيع مقابل بيت الأحزان [1] .
وقال العلامة الأمين في الأعيان: حُكي عمّن شاهد قبره بجنب مشهد أئمة البقيع (عليهم السلام)، وعليه لوح عليه تاريخ وفاته سنة (1243هـ) والأول أوثق وأضبط.
له من الأولاد الذكور أربعة: الشيخ محمد تقي، والشيخ علي نقي مؤلّف (نهج المحجّة) وغيره، والشيخ حسن والد الشيخ يوسف، والشيخ عبد الله. وذكروا أنّ عدد أولاده تسعة وعشرون إلاّ أن أغلبهم توفّّوا في حياته.
أساتذته:
حضر في كربلاء بحث الوحيد البهبهاني، والسيد الميرزا مهدي الشهرستاني، والسيد علي الطبطبائي صاحب (رياض المسائل)، وفي النجف حضر بحث الشيخ جعفر كاشف الغطاء. والظاهر أنّ هؤلاء أشهر من حضر عندهم.
علمه:
لا يختلف اثنان ممّن ترجم للشيخ ـ قدس سره ـ في علمه وإحاطته بالمعقول والمنقول، بل بالعلوم الغريبة التي لا يحصّلها إلاّ القليل النادر من العلماء وهذه مصنفاته تشهد له بما نقول، وسوف ترى ما أسبغه عليه أعاظم العلماء من صفات المدح والثناء في إجازاتهم له. نعم كثر القيل والقال حول آرائه ردّاً وقبولاً دون أن يهمزه أحد من العلماء في علمه وفضله.
تلاميذه:
تلمّذ على يديه كثير من العلماء، منهم:
- السيد عبد الله شبّر، المتوفّى سنة (1242هـ).
- ملا هادي السبزواري، صاحب (المنظومة) في الحكمة، المتوفّى سنة (1289هـ).
- السيد كاظم الرشتي، المتوفّى عام (1259هـ).
- الميرزا حسن بن علي كوهر، المتوفّى عام (1266هـ).
- المولى محمد بن الحسين المامقاني.
اختلاف العلماء حول آرائه:
اختلف العلماء والمؤلفون حول آراء الشيخ الأحسائي بين إفراط وتفريط، وأكثر البعض من اتهامه بآراء تخالف ضروريات الدين والمذهب. وقد ألّف الفريق المخالف والفريق الموافق رسائل وكتباً كثيرة حول الشيخ وآرائه، ولا نرى ضرورة للإفاضة فيما قال الفريقان غير أننا سننقل كلاماً للميرزا موسى الأسكوئي، يلقي الضوء على مجمل آراء العلماء في الشيخ وآرائه. قال الحاج ميرزا موسى الأسكوئي في كتابه (إحقاق الحق):
))قوم أفرطوا فيه وجعلوه معصوماً مصيباً لا يخطئ أبداً، وقوم فرّطوا حتى أبوا أن يحسبوه في عداد العلماء، وزمرة أهل الهدى، ثم عطفت العنان نحو القادحين فرأيتهم أيضاً غير مجتمعين:
قسم اعتمدوا في ذلك فقط على الشهرة والقيل، ولم يأتوا ببرهان ولا دليل، وذلك هو الغالب.
وقسم ما رأوا شيئاً من كتبه والتصنيفات، بل أرسلوا كفره إرسال المسلمات.
وقسم كفّروه لتجاوزه بزعمهم في رتب المعصومين الأربعة عشر ـ عليهم السلام ـ عن النمط الأوسط، وكونه ممن قال بالتّفويض وغلا أفرط.
وقسم نسب إليه إنكار المعاد الجسماني، وإنكار شقّ القمر، أو المعراج الجسماني.
وقسم أثبت عليه كل اعتقاد فاسد، واعترض على جميع كتبه واحداً بعد واحد.
وقسم نسب غالب تصانيفه إلى الهُجر والخرافة وتلفيق الألفاظ من غير معنى والتحكم والجزاف.
وقسم أخذوه بجرم الجار، ونسبوا إليه عقائد المنتسبين إليه من الأغيار((.
وفصل الخطاب: أن ما قيل في الشيخ ـ قدس سره ـ يؤول إلى نقطتين رئيسيتين:
الأولى ـ الغلو في حق الأئمة (صلوات الله عليهم). إذ أنهم اتهموه بأنّه يقول فيهم ما ليس لهم بل اتهموه بالتفويض وهو قول شنيع في بعض معانيه. ولابدّ من توضيع الكلام في أمر الغلو والتفويض ليتبين الحقّ.
أمّا الغلو فهو ـ لغة ـ الإفراط والخروج عن حدّ الاعتدال. ومن المعلوم أنّه ليسَ كلّ إفراط وخروج عن حد الاعتدال يستلزم كفراً أو فسقاً، حتّى يكفَّر القائل أو يفسّق بمجرد ثبوت هذا الإفراط والخروج عن الحدّ.
فلابدّ ـ أولاً ـ من تحديد أمر الغلوّ الذي يستلزم الكفر لتطبيقه في موارده الصحيحة. وصفوة القول:
أنّ الغلو الذي يستلزم الكفر هو نسبة الألوهية إلى غير الله، أو القول بقول يلزم منه ذلك مع التوجّه إلى هذا اللازم، أو القول في الإمام بقول مخالف لضروريات الدين. أمّا القول بألوهية الأئمة عليهم السلام لم يصدر من الشيخ بل ولم يتجرأ أحد على نسبة ذلك إليه حتى ممّن خالفوه وشنّعوا عليه.
نعم ربّما نسب البعض إليه القول بالتفويض للأئمة صلوات الله عليهم وهذا القول على بعض معانيه يلزم معنى القول بالألوهية لهم، ونحن لم نعثر على قوله بالتفويض بالمعنى الذي يلزم منه الكفر، وذلك أنّ التفويض له معنيان.
الأول: أنّ الأئمة يفعلون ما يفعلون بالاستقلال عن الله ـ سبحانه وتعالى ـ فهو قد خلقهم وفوّض إليهم أمر الخلق بحيث يتصرفون فيه بالاستقلال عنه سبحانه ومن دون الرجوع إليه تكويناً وتشريعاً. وهذا قول كفر صريح لم نعثر في كلام الشيخ على شيء منه، بل عثرنا على ما يخالفه بصريح العبارة، ودونك ما قاله في بيان كفر الغلاة في هذا الكتاب الذي بين يديك حين تعرّض إلى أنواع الكفّار ، فقد قال هناك: إنّ كل ما يقال في حق الأئمة ـ عليهم السلام ـ لا يستلزم كفراً إذا كان القائل يرى أنهم من الله وإلى الله بدءً وخاتمة وأنهم يفعلون بإذن الله وإرادته لم يخرجوا من سلطانه أبداً. وهذا هو مضمون كلامه بالمعنى ومن شاء فليرجع إلى الموضع الذي أشرنا إليه ليرى صدق ذلك.
الثاني: أنّ الله فوّض إليهم أمر الخلق بأن جعلهم في مرتبة الوسائط والعلل لإفاضة الآثار، كما هو الحال مع بقية الوسائط والعلل في مراتب الوجود، من الملائكة المدبّرة لما أقدرها الله عليه، فهم يفعلون بإذنه ولا يخالفونه في الأمر وهذه الوسائط والعلل مخلوقة هي وآثارها لله وقائمة به لا تخرج عن سلطانه طرفة عين.
ومن الواضح أن هذا القول بنفسه لا يستلزم شركاً، ولا يكون قائله محكوماً بالكفر، حتى لو لم يصحّ، بل إنّ هذا النوع من التفويض ممّا أجمع عليه المسلمون في الملائكة وفي الوسائط والأسباب في عالم المادة، فالكلّ يقول بأن الملائكة تدبر أمر الخلق والرزق والموت بهذا المعنى المذكور، والكل يرى أن الأسباب الماديّة تؤثّر آثارها بهذا النحو. مع فارق توسط الإرادة والشعور.
وقد قال الشيخ بهذا القول الثاني ولا حاجة بنا لتسميته بالتفويض حتى لا يستوحش الذين في قلوبهم شيء وقال به بعض العرفاء ممّن لم يكونوا من أتباع الشيخ، ولسنا ـ الآن ـ بصدد بيان صحة هذا القول وعدم صحته، ولكنّه ينبغي العلم بأنّ هذا القول لا يستلزم بنفسه كفراً ـ كما مر ـ وإلاّ لاستلزم الكفر على من يقول به في حق الملائكة والحال أن القول به في حق الملائكة مسلّم عند الكل.
كما أنّه لا يستلزم كفر القائل به أو فسقه حتى لو كان هذا القول باطلاً لعدم قيام الأدلّة الكافية على وقوعه في حق الإمام عليه السلام ـ مثلاً. وإن كان الحق أنّ في القرآن والسنّة ما يمكن أن يكون دليلاً لهذا القول، ولكنّ للبحث فيه محلاًّ آخر.
وربما نسب إليه البعض أقوالاً في خصائص الإمام بعيدة عن أذهان العامّة، وحاول أن يأخذها دليلاً على ابتعاد الرجل عن مذهب الحق وعمّا اشتهر بين أصحابنا، بل اعتبرها البعض دليلاً على غلوّه.
وهو كما ترى من الضعف والبطلان، حيث إنّ للكلام في خصائص الإمام (عليه السلام)، وصفاته مجالاً واسعاً بسعة ما ورد في فضلهم من القرآن والسنّة وهو كثير جداًّ، ممّا يجعل الاختلاف في بعض هذه الأمور حالة طبيعية لا توجب خروج أحد الفريقين عن المذهب أو الدين. فهناك مقدار في معرفة الإمام واجب على كلّ مكلّف ومن قصّر فيه عُدّ خارجاً عن المذهب بل الإسلام باطناً، وفوق هذا المقدار أمر مختَلفٌ فيه زلّت فيه الأقدام وعجزت عنه الأوهام من فاز منه بنصيب فاز بالحظّ الأوفر ومن قصر عنه فهو معذور إذا لم يرجع إنكاره إلى العناد.
وكلام الشيخ ـ قدس سره ـ في خصائص الإمام وفضله كان في ذلك المقدار الذي هو فوق المقدار الضروري وهو مهما قال في فضلهم فلم يجعلهم في مقام الألوهية والربوبية. وقد قال الأئمة ـ عليهم السلام ـ: ))إن أمرنا صعب مستصعب…((. ولا ندري لماذا يصرّ البعض على استنكار أمور يرونها بعيدة عن عقولهم قبل أن يرجعوا إلى الحكم الفصل من قول الله وحديث المعصوم.
والصحيح أن نبز بعض علمائنا بالغلوّ ليس أمراً جديداً ولا يمكن أن يكون دليلاً على فساد اعتقاد من نُبز بذلك لعدم وضوح ضابطة الغلو الموجب للكفر أو الفسق عند الكثيرين، وقد اتُّهم بعض القدماء من أجلّة الرواة بالغلوّ، وتركت روايتهم من قبل البعض بسبب ذلك، لا لشيء إلاّ لأنهم رووا في خصائص الإمام وفضله ما تستبعده بعض العقول. ونكتفي ـ في هذا المقام ـ بذكر كلام للوحيد البهبهاني يلقي الضوء على ما نحن فيه، قال ـ قدس سره ـ: ))فاعلم أنّ الظاهر أنّ كثيراً من القدماء لاسيما القميين منهم، والغضائري، كانوا يعتقدون للأئمة ـ عليهم السلام ـ منزلة خاصّة من الرفعة والجلالة، ومرتبة معيّنة من العصمة والكمال، بحسب اجتهادهم ورأيهم، وما كانوا يجوّزون التعدّي عنها، وكانوا يعدّون التعدّي ارتفاعاً وغلوّاً حسب معتقدهم، حتى أنهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلوّاً، بل ربما جعلوا مطلق التفويض إليهم، أو التفويض الذي اختلف فيه، أو المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم… (جعلوا كلّ ذلك) ارتفاعاً ))مورثاً للتهمة به(( [2] .
الثانية ـ بعض آرائه في الحكمة والكلام المخالفة لما عليه مشهور الحكماء والمتكلمين، وقد حاول البعض التشنيع على الشيخ الأحسائي ـ قدس سره ـ من خلال هذه الآراء، وبعد التتبع وجدنا أن المخالفين للشيخ على طائفتين:
فبعضهم رمى الشيخ بأقوال لم يتفوّه بها كإنكار المعاد الجسماني والمعراج الجسماني وإنكار علم الله… إلخ. وبعضهم نسب إليه أقوالاً صحيحة النسبة، وقد صرّح الشيخ بها في كتبه، ولكنّ هذا البعض رآها مستلزمة للكفر لأنّه لم يفهمها حق الفهم فهجم بها على غير المراد للشيخ، وعند النظر الدقيق يتضح أنها غير مستلزمة لما يقول هذا البعض كالقول بأنّ الأئمة ـ عليهم السلام ـ هم العلل الأربعة. وقد تصدى للردّ على ذلك الميرزا موسى الأسكوئي الحائري في كتابه إحقاق الحق، فأجاب ببيان شاف، يرجع إليه من أحبّ، فلا مجال هنا لاستعراض ذلك كُلّه.
ثناء العلماء عليه:
لقد أثنى على الشيخ كثير من العلماء الأجلاّء، ويتبين لك من ثنائهم ما كان عليه الشيخ الأحسائي ـ قدس سره ـ من الاستقامة والعلم، وسوف نكتفي هنا بذكر مقاطع من إجازات العلماء إليه.
قال السيد الأجل مهدي الطباطبائي الملقب ببحر العلوم ـ أعلى الله مقامه ـ: ))وبعد فلما كان من حكمة الله البالغة ونعمه السابغة أن جعل لحفظ دينه وأحكامه علماء مستحفظين لشرائعه وأحكامه صار يتلقّى الخلف عن السلف ما استحفظوا من علوم أهل الحكمة والشرف فبلغوا بذلك أعلى المراتب ونالوا به أتمّ المواهب وكان ممن أخذ بالحظ الوافر الأسنى وفاز بالنصيب المتكاثر الأهنى، زبدة العلماء العاملين ونخبة العرفاء الكاملين الأخ الأسعد الأمجد الشيخ أحمد ابن الشيخ زين الدين الأحسائي، زيد فضله ومجده وأعلى في طلب العُلا جدّه، وقد التمس مني أيده الله تعالى…… فسارعت إلى إجابته، وقابلت التماسه بإنجاح طلبته، لما ظهر لي من ورعه وتقواه ونبله وعلاه فأجزت له… إلخ((.
وأجازه السيد السند الميرزا مهدي الشهرستاني فقال: ))حيث إن الشيخ الجليل والعمدة النبيل والمهذّب الأصيل العالم الفاضل والباذل الكامل المؤيّد المسدّد الشيخ أحمد الأحسائي أطال الله بقاه وأقام في معارج العز وأدام ارتقاه ممّن رتع في رياض العلوم وكرع من حياض زلال سلسبيل الأخبار النبوية، قد استجازني فيما صحت لي روايته…((.
وأجازه الشيخ جعفر كاشف الغطاء ـ قدس سره ـ فقال: ))أما بعد فإن العالم العامل والفاضل الكامل، زبدة العلماء العاملين وقدوة الفضلاء الصالحين الشيخ أحمد… قد عرض علي نبذة من أوراق تعرّض فيها لشرح بعض كتاب تبصرة المتعلمين لآية الله في العالمين، ورسالة صنّفها في الردّ على الجيريين مقويّاً فيها رأي العدليين فرأيت تصنيفاً رشيقاً قد تضمّن تحقيقاً وتدقيقاً قد دلّ على علو مقام مصنّفه وجلالة شأن مؤلفه فلزمني أن أجيزه((.
وقال الشيخ الأجل حسين آل عصفور البحراني في إجازته: ))… وهو العالم الأمجد ذو المقام الأنجد الشيخ أحمد… ذلّل الله له شوامس المعاني وشيد به قصور تلك المباني وهو في الحقيقة حقيق بأن يجيز ولا بجاز لعرافته في العلوم الإلهية على الحقيقة لا المجاز ولسلوكه طريق أهل السلوك وأوضح المجاز لكن إجابته ممّا أوجبته الأخوّة الإلهيّة الحقيقية المشتملة على الإخلاص والإنجاز وكان في ارتكابها حفظ لهذا الدين وكمال الإحراز…((.
وأجازه السيّد علي الطباطبائي صاحب الرياض، فقال: ))إن من أغلاط الزمان وحسنات الدهر الخوّان اجتماعي بالأخ الروحاني والخلّ الصمداني العالم العامل والفاضل الكامل ذي الفهم الصائب والذهن الثاقب الراقي أعلى درجات الورع والتقوى والعلم واليقين مولانا الشيخ أحمد… دام ظلّه العالي((.
الشيخية:
أُطلق هذا الاسم على أتباع الشيخ أحمد الأحسائي من قبل البعض، وحاول بعض آخر استغلال هذا الاسم الخاص للقول بأنهم فرقة مخالفة للاثني عشرية وساعدهم في ذلك أحكام العامّة وترويجهم لكلّ فتنة وممّا يؤسف له أن هذا القول وقع من بعض من عرفوا بالعلم سامحهم الله.
ولو أنّ منصفاً تتبع كلام الشيخ الأحسائي وكلام تلاميذه وأتباعه لوجد أنهم لم يخرجوا عن مذهب أهل الحق في شيء وأما ما وقع فيه الخلاف بين الشيخ الأحسائي وبقية العلماء فهو خلاف بين أهل العلم لا يوجب خروجاً لأحدهما عن مذهب الحق وقد تبين ذلك ممّا مرّ. وليعلم أن اليقين والعلم درجات وتفاضل، وليس كل خلاف يلزم منه خروج أحد المختلفَيْن عن مذهب الحق، ولا كلّ ما يقال يؤخذ بظاهره.
وعلى كلّ فإن أتباع مدرسة الشيخ الأحسائي شيعة إمامية اثنا عشرية قد يختلفون مع البعض في جهات لا توجب خروجاً عن الحقّ مع غضّ النظر عن صحتها وخطإها، ولتُترك محاكمة تلك الآراء الخاصة لأهلها.
مصنّفاته:
لقد ترك الشيخ الأحسائي مصنّفات كثيرة أنهاها البعض إلى مائة وتسعة وعشرين كتاباً ورسالة. وقد ذكر أكثرها تلميذه السيد كاظم الرشتي في (دليل المتحيرين)، وإليك بعضها:
- شرح الزيارة الجامعة. يقع في أربع مجلّدات.
- شرح الحكمة العرشية للملا صدر الدين الشيرازي.
- شر المشاعر للملا صدر الدين الشيرازي.
- الفوائد. جامع للأمور العامة مما يتعلق بالوجودات الثلاثة من الوجود الحق والوجود المطلق والوجود المقيد.
- شرحه على الفوائد.
- شرح كتاب التبصرة. لم يتم.
- رسالة في العمل بالكتب الأربعة وغيرها.
- رسالة في أصول الفقه في مبادئ الألفاظ.
- رسالة في تحقيق القول بالاجتهاد والتقليد.
- رسالة في بيان الأوعية الثلاثة وبيان اللوح المحفوظ… إلخ.
- رسالة في بيان أنّ لله علمين.
- رسالة في يبان حقيقة الرؤيا وأقسامها.
وغير ذلك كثير من الرسائل وأجوبة المسائل.
الكتاب الذي بين يديك:
شرح استدلالي مفصل على كتاب تبصرة المتعلمين للعلامة الحلي (قدس سرّه)، لم يتم، فجاء مستوعباً لمعظم كتاب الطهارة. وقد مر تقريض الكتاب والثناء عليه من قبل الشيخ جعفر كاشف الغطاء فيما أوردناه ـ آنفاً ـ من إجازته للشيخ أحمد الأحسائي (قدس سره) تمييز هذا الشرح على غيره من الشروح بخصائص متعددة، نذكرها تباعاً:
- التتبع التام للآراء وعرضها بأسلوب دقيق.
- التتبع التام للأدلة، ومحاكمتها، والجمع بينها بوجوه لطيفة المأخذ.
- تفريع المسائل وتشقيقها مما يدل على قوة فقاهته وشدة تمكنه في الاستنباط على القواعد المعروفة عند أهل الاختصاص.
- الإشارة إلى بعض لطائف أسرار الأحكام الشرعية ممّا ندر وجوده عند غيره.
وقد قمنا بتحقيق هذا الكتاب على نسخة حجرية واحدة تتألف من مائة وخمس وخمسين صفحة بالقطع الرحلي وذلك على مراحل:
- تقويم النصّ.
- تخريج الأقوال والآراء.
- ترجمة الأعلام.
- التعليق في بعض الموارد المحتاجة إلى ذلك.
ولا ندعي أننا وفقنا في ذلك على وجه تام، فليس ذلك في الإمكان ولا في الحسبان، ولكننا بذلنا وسعنا وجهد طاقتنا في تحقيق هذا الكتاب وتنقيحه لنضعه بين يدي القارئ على أحسن وجه ممكن فإن تمّ لنا ما أردناه فهو بفضل الله ورسوله وأوليائه الطاهرين والحمد لله أولاً وآخراً.
الشيخ ميثم الخفاجي
* هذه المقالة عبارة عن مقدمة كتبت لكتاب صراط اليقين في شرح تبصرة المتعلمين للشيخ الأوحد الأحسائي
1 من ترجمة لولده الشيخ عبد الله في رسالة مستقلة نقلنا ملخّصها عن كتاب طبقات أعلام الشيعة: 1/89.
2 الفوائد الرجالية: 38. |