|
هناك في شرق جزيرة قاحلة ، تفترشها الرمال الذهبية . في صلابة هذه الحياة وجشوبة العيش الصارمة ، بزغ نور خفتت له كل النجوم المضيئة ، في قرية تسمى المطيرفي ، فكانت حياة هذا المولود غريبة كل الغرابة … عجيب هذا المولود ، من هو ؟ لماذا هو ؟ وماذا سيحدث له ؟
وحتى نعرف هذه الأمور سنقسم حياة هذا الشيخ الجليل إلى قسمين :
القسم الأول (ولادته ، نشأته ، غريب أطواره ، كيف رأى أهل البيت عليهم السلام )
ولد الشيخ أحمد سنة 1166 هـ بالأحساء ، ونشأ وترعرع فيها على يد والديه ولما بلغ مبلغ الإدراك أحب أن يدرس العلم فبدأ بالنحو عند أحد الفضلاء و في أثناء درسه هذا كان يأتيه زائر في المنام يحدثه بأمور غريبة ولكن ماهي ؟ لم يقل ذلك . ولكنها على كل حال كانت مثيرة ولذيذة أكثر من درس النحو الذي كان يتلقاه في اليقظة . وكان في هذه الأثناء يتفكر بالفطرة في مخلوقات الله سبحانه وتعالى ، فمثلاً إذا مر على قبر ميت كان يقول : ألم يكن هذا موجوداً سابقاً ؟ ألم يكن قوياً وله بيت وأولاد ومال وعزوة وملك ..إلخ وفي إحدى الليالي القمرية نام شيخنا هانئاً في فراشه فرأى كأنه في مجلس في صدر المجلس ثلاثة أشخاص وإليك روايته بنفسه ( فرأيت ذات ليلة في الطيف الحسن بن علي وعلي بن الحسين ومحمد الباقر عليهم السلام ، وكان بيننا أحوال ومخاطبات عجيبة طويلة ، فقلت له : يا سيدي أخبرني بشيء إذا قرأته رأيتكم فقال لي عليه السلام شعراً :
| كن عن أمورك معرضاً |
|
وكِلَ الأمور إلـى الـقـضـا |
| و لـربمـا اتـــسع المضـيق |
|
و ربمـاضــاق الـفضــا |
| و لـــــرب أمــر مـتـعب |
|
لـك فـي عـواقـبـه رضــا |
| الله يـفـعـل ما يشــاء |
|
فـلا تـكـن متعرضـا |
| الله عـــودك الجميـل |
|
فـقـس علـى مـاقـد مـضــى |
فكر ومنهج ص 30
وبعد هذه الرؤيا حاول شيخنا بقراءة الأبيات رؤية أهل البيت عليهم السلام فلم يستطع . فتألم نفسياً لفراق أحبته ، ثم تفكر في الرؤيا مرة أخرى ففهم أن الإمام عليه السلام يريد منه العمل بمضمون الأبيات لا قراءتها فقط كما قال تعالى ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) البقرة : 282 .
فبدأ شيخنا من هذه اللحظة السلوك الجدي نحو الله سبحانه وتعالى للوصول للمراد ومعرفة الحقيقة التي شغلت باله من صغره فكان كما قال تعالى : (فاسلكي سبل ربك ذللا) النحل :69 .
فسلك سبيل ربه بالعمل والعبادات وتطبيق المستحبات وعلى رأسها تنقية قلبه من الأمراض النفسية كالحقد والحسد وظن السوء حتى صار قلبه صافٍ كالزجاجة فانعكست فيه أنوار الملكوت وجمال الجبروت ، فكان بحق مصداق لقوله تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) فصلت : 53 . ومصداق لقول أمير المؤمنين عليه السلام (العلم لا في السماء فينزل إليكم ولا في الأرض فيخرج إليكم بل مجبول في قلوبكم تخلقوا بأخلاق الروحانيين يظهر لكم ) _ بالمعنى _ فمن هنا انفتح له باب الرؤيا فكان يرى أهل البيت عليهم السلام في المنام كما يرى أي نائم آخر ، ولكنه كان يتعلم منهم (ع) في هذه المنامات مسائل كثيرة حتى قال :لم تصعب عليه مسألة في اليقظة إلا وجدت حلها في المنام ، وكذلك انفتح له باب الكشف كما يكشف لأي عرفاني آخر ولكن كشف الشيخ كان واقعياً بدليل مطابقته للكتاب والسنة . ولنشرح هذه المسألة علينا التعرف على معاني الكشف[1] وهي كالتالي :
هناك كشوفات رحمانية واقعية تكون عن طريق اليقين والإيمان والصادق كما يحصل لشيخنا رضوان الله عليه وشرط الكشف الصادق هو مطابقة ما يرى المكاشف للكتاب والسنة ، فمثلاً إذا أدى به كشفه إلى إنكار الولاية فقطعاً هذا كشفٌ شيطاني .
وهناك كشوفات شيطانية غير واقعية بل هي انعكاس لما خزن في النفس من عقائد وصور ، مثلما رأى الحسن البصري عندما تجهز للقتال مع عائشة ضد أمير المؤمنين ، فرأى نفس الكشف وبعد ذلك رأى أمير المؤمنين فقال لماذا لم تقاتلنا مع عدونا . فقال : رأيت القاتل والمقتول في النار . فقال الأمير عليه السلام : القاتل والمقتول منهم في النار . نفحات القرآن ج 1 : ص 279. كذلك ابن عربي يكشف له فيرى الشيعة خنازير ففي الحقيقة إنما رأى الأشياء المرتكزة في نفسه عن الشيعة –أي صورة نفسه- ولم يرى الواقع كما هو فهذا كشف شيطاني .
وهناك كشوفات وهمية بسبب انحراف الذهن عن جادة التفكير السليم ،كما يرى السالك المبتدأ صورة مرشده الذي رسمه آنفاً وفكر فيه كثيراً .
من أين حصل الشيخ أحمد على علومه وما هي حقيقتها ؟
حصل الشيخ علومه من أهل البيت عليهم السلام عن طريق المنام والكشوفات الحقيقة . ودليل صحة ما حصل عليه إنه كان يطابق كل ما يحصل بالقرآن والسنة فيجده مطابقاً لذلك لا يخالفها ، فالشيخ لا يأخذ بأي رؤية أو كشف إلا عن طريق القرآن والسنة فقط ولذلك وجدناه لا يأتي بمطلب إلا وأتى بدليل من الكتاب والسنة المطهرة عليه وبدليل من العقل يؤيد ذلك .
القسم الثاني (ظهوره على الساحة العلمية):
لما بلغ الشيخ مبلغ الكمال العلمي ببركة أهل البيت عليهم السلام كان لا بد أن يوثق الشيخ علميته على ديدن علماء الشيعة عندما يبلغون مرحلة الاجتهاد لا بد للحصول على الإجازة حتى يكون مكملاً لسلسلة العلماء المتصلين بأهل البيت عليهم السلام . وطريقة علمائنا للحصول على الإجازة طريقان : إما أن يحضر أبحاث العلماء فيقومون مستواه العلمي من خلال الحضور اليومي أو من خلال كتب ألفها ، فيعرضها على العلماء مشايخ الإجازة فيجيزونه ، وكان شيخنا حصل على الإجازة من الطريق الثاني –أي عن طريق عرضه لكتبه التي ألفها كشرح الزيارة والجوامع والفوائد – فشد الرحيل من الأحساء إلى المدن العلمية كالنجف وكربلاء ويزد وغيرها من المدن فحصل على إجازات كثيرة وحسب رأي تلميذه السيد كاظم الرشتي واصفاً رحلات الشيخ في دليل المتحيرين يقول [2]: ما نزل الشيخ في مدينة علمية إلا سيطر عليها بشخصيته العلمية فكانت العلماء تسمع له وتنقاد إلى رأيه . ويقول أيضاً : ما سأل عن مسألة إلا أجاب عنها بالبديهة بدون مراجعة كتاب .
حاصل الأمر بعد أن وثق الشيخ رضوان الله عليه مستواه العلمي من العلماء الجهابذة ، كان لزاماً عليه أن يقوم برسالته العلمية وعلى الأخص في مسائل التوحيد التي مُزجت بكثير من مسائل الشرك كوحدة الوجود .
ولما طرح الشيخ أحمد كتبه ولا سيما شرح الزيارة ، انقسم العلماء والناس حوله إلى أقسام كالتالي :
أولاً : الذين احترموه وأجازوه وهم أساطين الدين من العلماء .
ثانياً : الذين حقدوا عليه رغم معرفتهم فضله وعلمه وهم الذين لم يدركوا مستواه العلمي .
ثالثاً : المحايدون .
رابعاً : الذين لم يفهموا كتبه فكفروه .
خامساً : الناعق مع كل غراب وهم عامة الناس .
هل الشيخ الأحسائي معصوم ؟:
لم يقل هو ذلك ولا أحد من علماء المدرسة بل صرح المولى الحائري بعكس ذلك يقول: ( لا نعتقد بعصمة الشيخ الأوحد فكيف بالسيد الأمجد الذي هو تلميذ من تلامذته ). راجع كتاب الدين بين السائل والمجيب ج 2: ص 277 .
مراجع الدرس :
- فكر ومنهج الشيخ عبد الجليل الأمير .
- نفحات القرآن الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ج 1: ص 279 .
- سيرة الشيخ د علي محفوظ
- دليل المتحيرين السيد كاظم الرشتي .
- الدين بين السائل والمجيب المولى ميرزا حسن الحائري الأحقاقي (دام ظله العالي)
- العرفان الإسلامي الشيخ مرتضى مطهري .
- روضات الجنات الخونساري .
- فلاسفة الشيعة الشيخ عبد الله نعمة .
الشيخ سعيد القريشي
[1] الكشف حالة يكون فيها المكاشف في سفر روحي فيرى حورية أو عالماً من العوالم أو يحصل على حل مسألة علمية . وهذا جائز عند علمائنا .
[2] الكلام بالمعنى لا بالنص ، من أحب فليراجع دليل المتحيرين . |